‫الرئيسية‬ مقالات مدنية بلا عدالة حين تصبح السلطة أقسى من العسكر
مقالات - ‫‫‫‏‫4 ساعات مضت‬

مدنية بلا عدالة حين تصبح السلطة أقسى من العسكر

خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

مدنية بلا عدالة حين تصبح السلطة أقسى من العسكر

ليست المشكلة في أن يحكم العسكر أو المدنيون، بل في كيف يُمارَس الحكم، وبأي ميزان، ولصالح من. فالدولة لا تُدار بالشعارات، ولا تُبنى بالهتاف، وإنما تُحفظ بالعدل، وتستقيم بالقانون، وتبقى حين يكون الحق خطًا أحمر لا يُساوَم عليه.

لقد رفعت قوى قحط شعار “المدنية” حتى صار عند بعض أنصارها مسلّمة لا تُناقَش، لكنها حين وصلت إلى السلطة كشفت أن المدنية – إذا انفصلت عن قيمها – يمكن أن تتحول إلى أداة بطش، بل إلى غطاء ناعم لممارسات لا تقل قسوة عن الحكم العسكري، وربما تفوقه خطرًا لأنها تُمارَس باسم الثورة والضحايا.

وتظل جريمة فضّ الاعتصام الامتحان الأخلاقي الأكبر الذي سقطت فيه قحط سقوطًا مدويًا. فحين كانت في السلطة، امتلكت القرار ورفعت شعار العدالة، لكنها سكتت عن حقوق ضحايا فضّ الاعتصام، وراوغت في المحاسبة، وأدارت الملف بعقلية التسويف لا الإنصاف. والأسوأ من ذلك أنها طردت أمهات الضحايا من القصر الجمهوري عندما جئن يطالبن بحقوق أبنائهن. فأي مدنية هذه التي تُغلق أبوابها في وجه الأمهات الثكالى، وتفتحها فقط لحسابات السلطة؟

في زمن قحط، لم تسد دولة القانون، بل ساد منطق القوة المقنّعة. صودرت الأموال من غير محاكم، وشُوّهت سمعة الناس بتهم جاهزة بلا أدلة، ومورِس الإقصاء باسم الثورة. ولم يكن ذلك ادعاء خصوم، بل حقيقة أكدها اثنان من وزراء مالية قحط أنفسهم حين أقرّوا بأن الأموال المصادَرة لم تُورَد إلى خزينة الدولة. فأين ذهبت؟ ومن حاسب؟ أم أن المدنية تعني أن يكون البعض فوق القانون؟

لقد مارست قحط دور الخصم والحَكَم والجلاد في آنٍ واحد، فأسقطت مبدأ الفصل بين السلطات، وشرعنت الظلم تحت لافتة التفكيك، حتى بات المواطن يخشى القرار الإداري أكثر من الحكم القضائي، ويخاف اللجنة أكثر من المحكمة. وهكذا تحولت المدنية من مشروع تحرر إلى سلطة انتقائية تُعاقِب الخصوم وتحمي الحلفاء.

ثم جاءت الحرب، فانكشفت العورات كاملة. تراجع خطاب العدالة، وسقطت شعارات “لا للحرب” حين واجهت الدولة تمردًا وجوديًا، وظهر أن كثيرًا ممن ادّعوا المدنية لم يكونوا مؤمنين بالدولة أصلًا، بل بالسلطة فقط. وحين تعارضت القيم مع البقاء في المشهد، ضُحِّي بالقيم كما ضُحِّي من قبل بحقوق الضحايا.

وهنا تبرز الحقيقة التي يهرب منها الخطاب العاطفي:

عسكرية منضبطة، بسلطة واضحة ومسؤولية محددة، أهون على الدولة من مدنية فوضوية بلا قانون.

فالعسكر – مهما اختلف الناس معهم – لا يختبئون خلف شعارات أخلاقية زائفة، بينما خطورة المدنية الزائفة أنها تُقنِع نفسها بالطهارة المطلقة، فتبرر الظلم، وتخوّن المخالف، وتستثمر المأساة سياسيًا.

ليس هذا دفاعًا عن العسكر، ولا شيطنة للمدنيين، بل إدانة صريحة لتجربة أثبتت أن القيم أهم من المسميات، وأن المدنية بلا عدل ليست تقدمًا، بل ارتدادًا خطيرًا.

 

في النهاية، لا يحق لمن صمت عن حقوق ضحايا فضّ الاعتصام، ولا لمن طرد أمهاتهم من أبواب القصر، ولا لمن صادر أموال الناس بغير قضاء، أن يزايد علينا باسم المدنية أو الثورة. فالمدنية ليست بطاقة حصانة، ولا الثورة رخصة للظلم، ولا الشعارات ستغفر خيانة العدل.

سيأتي يوم تُرفع فيه الأقنعة، ويُسأل فيه الجميع:

أين كنتم حين كان الحق يُدهَس؟

وماذا فعلتم حين صارت السلطة أهم من إنصاف الضحايا؟

وحينها لن تنفع الهتافات، ولا اللافتات، ولا ادعاءات الطهر الثوري.

فالحقوق لا تُنسى، والتاريخ لا يرحم، والشعوب – وإن صبرت – لا تُخدع إلى الأبد.

وإن كانت هذه هي “مدنيتكم”، فالعسكرية المنضبطة – رغم قسوتها – أصدق منها، لأنها لا تتاجر بالقيم، ولا تتخفّى خلف آلام الضحايا.

أما المدنية الحقيقية، فهي التي تقف مع الحق ولو كلّفها السلطة، وتحاكم الجاني ولو كان حليفًا، وتحمي الإنسان لا الكرسي.

وما عدا ذلك فليس ثورة، ولا مدنية، بل ظلمٌ مؤجَّل الحساب.

‫شاهد أيضًا‬

مباحثات مثمرة بين عقار والرئيس اليوغندي ..وملف الاتحاد الافريقي والمليشيا يتصدرها

​استقبل الرئيس اليوغندي يوري موسيفيني، اليوم نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار إير،  في الق…