‫الرئيسية‬ مقالات من البطة العرجاء إلى رفع قلق العبارة! 
مقالات - ‫‫‫‏‫8 ساعات مضت‬

من البطة العرجاء إلى رفع قلق العبارة! 

عصــام الحسين

من البطة العرجاء إلى رفع قلق العبارة! 

ارتدادات عنيفة فرضتها تقارير صادمة لهيئات أممية ومنظمات حقوقية، إزاء جرائم مليشيا آل دقلو الإرهابية، بعد تراكم الأدلة الموثَّقة بهواتف (الاشاوذ) وبالتقنية الحديثة، مع تنامي الإشارات ــ تصريحاً أو تلميحاً ــ لدولة الإمارات الساندة، هذه التحولات ما كان لها إلا ان تضع الفاعلين الإقليميين والدوليين أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية يصعب معها استمرار حالة الحياد الرمادي وسياسة البطة العرجاء تجاه الحرب في السودان.*

 

بانتفاء فِرية الحياد الرمادى، انتقلت مواقف بعض العواصم من محطة الصمت المُريب إلى رفع قلق العبارة، فأخذت السردية تتحول وتميل لتوصيف الحالة السودانية من نزاع داخلي مُعقّد إلى توصيف أكثر حدّة يلامس مفاهيم الجرائم الجسيمة والتصفية على أساس العرق، ولا تُفهم الزحزحة في المواقف هذه بوصفها انعطافاً أخلاقياً محضاً، بل باعتبارها نتاج لتفاعل مركّب بين اعتبارات القيم والمصالح، وتبدّل موازين القوة وضغط الوقائع على الأرض.

 

مع ذلك، فإن الدول لا تتحرك في فراغ معياري، بل في فضاء إعادة حسابات المصالح، فإذا ما تبيّن لبعض القوى أن كُلفة الصمت على فاعل وظيفي غير منضبط يتلقى الدعم من دويلة مارقة، باتت أعلى من العوائد المتمثلة في شراء الذمم وبيع الضمائر، فأولى لها إعادة تموضعها ومراجعة رهاناتها، وفي هذا السياق، فإن إطالة أمد الحرب بما يهدَّد أمن البحر الأحمر ويؤثر على الممرات الحيوية المرتبطة بقناة السويس، يضع أطرافاً إقليمية مثل مصر والسعودية وتركيا أمام تحديات استراتيجية مُباشرة، كما يثير حفيظة القوى البحرية الدولية.*

 

كما أن تحولات توازن المعسكر الغربي تُحفِّز دوائر صُنع القرار في دول مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لتبني مقاربات بين أولويات احتواء الفوضى وضرورات المساءلة، غير أن ازدياد الضغط البرلماني والإعلامي، وتنامي حملات المناصرة الشعبوية، يدفع باتجاه خطاب أكثر صراحة في تسمية الداعمين الإقليميين للمليشيا المتمردة التي ارتكبت انتهاكات تعجز عن وصفها الكلمات!

 

هناك عامل آخر مهم، فحين يتغيّر ميزان القوة على الأرض، ويتبدل المشهد العسكري الداخلي، يتغيّر معه السلوك الدبلوماسي والتعاطي الجاد، فإذا ما بدا من واقع مجريات الحرب وتوسع نطاق سيطرة الجيش على كافة المحاور مع فقدان المليشيا وظهيرها السياسي وكفيلتها، للشرعية في ظل تآكل رصيد المليشيا العسكري، لا بُد أن تميل القوى الخارجية إلى تقليص دعمها للطرف الضعيف، كما أن الاتهامات الموجهة لدويلة الشر، لا تنفصل عن تنافس أوسع في الإقليم على النفوذ في القرن الأفريقي والساحل والبحر الأحمر. وعندما تتقاطع ملفات السودان مع حسابات أمن البحر الأحمر، والموانئ، وسلاسل الإمداد، تصبح الساحة السودانية مسرحاً لتوازنات دقيقة، يُعاد ضبطها كلما اقتضت المصلحة.*

 

 

إنّ ما يبدو تبدّلاً في المواقف ليس بالضرورة انقلاباً جذرياً في السياسات، بل هو إعادة معايرة دقيقة للخطاب والأدوات، تحت ضغط الوقائع الميدانية، وحسابات الكلفة والعائد، وتحوّلات البيئة الاستراتيجية المحيطة بالسودان، فالدبلوماسية الدولية لا تتحرك بدافع الإدانة وحدها، بل حين تلتقي الإدانة مع المصلحة وتصبح كلفة الصمت أعلى من كلفة الكلام!

‫شاهد أيضًا‬

من “حماية الاتفاق” إلى “إعادة تأسيس الدولة” (٥-٨)

التمرد لا يبدأ بالبندقية،بل بالقصة التي تُقنع صاحبها أنه لا يملك خيارًا آخر. أكبر خطأ يمكن…