‫الرئيسية‬ مقالات قحت: التجربة والفشل (الحلقة الثالثة) الانقسامات داخل قحت
مقالات - ‫‫‫‏‫3 ساعات مضت‬

قحت: التجربة والفشل (الحلقة الثالثة) الانقسامات داخل قحت

نقطةإرتكاز  د.جادالله فضل المولي 

قحت: التجربة والفشل (الحلقة الثالثة)  الانقسامات داخل قحت

حين تشكل تحالف قوى الحرية والتغيير في أعقاب ثورة ديسمبر، كان يُنظر إليه باعتباره المظلة الجامعة التي تحتضن مختلف القوى السياسية والنقابية والمهنية، وتوحدها خلف هدف واحد هو بناء دولة مدنية ديمقراطية. لكن سرعان ما بدأت التصدعات تظهر في جدار هذا التحالف، إذ لم يكن التوافق الذي جمع تلك القوى قائماً على رؤية استراتيجية واضحة، بل على لحظة ثورية عاطفية سرعان ما تراجعت أمام حسابات المصالح الضيقة. ومع مرور الوقت، تحولت قحت من حاضنة للثورة إلى ساحة صراع داخلي، تتنازعها الكتل والأحزاب، وتتنافر فيها المواقف، حتى فقدت القدرة على قيادة المرحلة الانتقالية بصلابة ووضوح.

 

الانقسامات داخل قحت لم تكن مجرد خلافات طبيعية بين تيارات سياسية مختلفة، بل كانت عميقة إلى درجة أنها شلت قدرة التحالف على اتخاذ قرارات مصيرية. المجلس المركزي، الذي كان يُفترض أن يكون مركز القيادة، دخل في صدامات متكررة مع بقية الكتل، وظهرت تيارات داخلية تتهمه بالاستئثار بالقرار وتهميش الآخرين. (حرية والتغيير الجبهة الديمقراطية) هذه الخلافات انعكست على الشارع، إذ شعر المواطن أن القوى المدنية التي خرجت باسمه لم تعد تعبر عن تطلعاته، بل انشغلت بصراعاتها الداخلية ومناوراتها السياسية. ومع كل أزمة، كان التحالف يتصدع أكثر، حتى بدا وكأنه كيان هشّ لا يملك القدرة على مواجهة التحديات الوطنية الكبرى.

 

الأخطر أن هذه الانقسامات لم تقتصر على الجانب السياسي، بل امتدت إلى المواقف من القضايا الوطنية الكبرى، مثل الاتفاقيات الانتقالية والعلاقة مع المكون العسكري. بعض القوى داخل قحت كانت تميل إلى التسويات والاتفاقات، بينما رفضت أخرى أي شراكة مع العسكريين، ما جعل التحالف عاجزاً عن تقديم موقف موحد. هذا التناقض أضعف موقف المدنيين في مواجهة العسكريين، وأفقدهم القدرة على التفاوض من موقع قوة، تحولت قحت إلى ساحة مفتوحة للتجاذبات، وفقدت تدريجياً قدرتها على قيادة المرحلة الانتقالية.

 

المواطن السوداني، الذي كان ينتظر من قحت أن تكون صوت الثورة ودرعها، وجد نفسه أمام مشهد محبط، حيث القوى المدنية تتناحر فيما بينها، وتفشل في تقديم برنامج إصلاحي واضح. ومع كل يوم يمر، كان الإحباط يتزايد، والثقة تتآكل، حتى أصبح كثيرون يرون أن قحت لم تعد تمثلهم، وأنها فقدت البوصلة التي كان يجب أن توجهها نحو بناء الدولة المدنية. هذا الانهيار الداخلي لم يكن مجرد أزمة تنظيمية، بل كان أحد الأسباب الجوهرية لفشل التجربة برمتها، إذ لا يمكن لأي تحالف أن يقود مرحلة انتقالية معقدة وهو غارق في صراعاته الداخلية.

 

إن الانقسامات داخل قحت تكشف بوضوح أن الثورة السودانية لم تُترجم إلى مشروع سياسي متماسك، بل إلى تحالف هشّ سرعان ما انهار أمام تحديات الواقع. فبدلاً من أن تكون قحت نموذجاً للوحدة الوطنية، تحولت إلى مثال على كيف يمكن للصراعات الداخلية أن تجهض أحلام الشعوب. وهكذا، فإن الحلقة الثالثة من هذه السلسلة تضع أمامنا صورة قاتمة عن كيف فقدت قحت وحدتها، وكيف انعكس ذلك على مسار الثورة، ليكون أحد أهم أسباب فشلها في تحقيق أهدافها الكبرى.

meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

صنع في السودان تحدي وتعافي سيناريوهات

في الوقت الذي تضج فيه الاسافير بالشائعات واقالات اعضاء بارزين في مجلس السيادة و( قوالات) و…