الفساد وصراع النفوذ أين تكمن العلة
د. ياسر يوسف إبراهيم

بعد تحرير الخرطوم من دنس مليشيا الدعم السريع وبينما كانت لا تزال فلولها علي أطراف العاصمة ، ولم يكن اليقين مكتملا حول تطهير العاصمة تطهيرا نهائيا تفاجأ الناس بتصريحات وتصريحات مضادة تصدر من أعلي مستويات الدولة تتهم بعضها البعض بملفات للفساد وتجاوزات في حق المال العام ، بل وبغمز ولمز متبادل عكر أجواء الإنتصارات الكبيرة التي تمت في تلك المرحلة ..
خطورة تلك التصريحات أنها أحدثت غبارا كثيفا ثم هدأ الغبار دون إجراء أي تحقيق أو توضيح للرأي العام يبين كيف تمت تسوية الإتهامات الخطيرة ، مما ينبئ بأن تلك الإتهامات إنما تستخدم لتصفية حسابات متعلقة بصراع نفوذ أكثر منها مشروع لمحاربة الفساد ، وكانت من نتائجها سحب الزخم الشعبي من معركة الكرامة من جانب والتغطية علي مواضع الفساد الحقيقي من ناحية أخرى ، وفي الأيام الماضية وبينما ارتفعت معنويات الشعب السوداني بعد عودة حكومته إلي الخرطوم ، وبدء عمل المطار وتواصل برامج إستعادة الحياة العامة إذا بمعركة أخري للنفوذ تندلع فجأة وهي تتدثر رداء مكافحة الفساد ، ويتم تبادل الإتهامات من منصات إعلامية بينما الحق المبين يقول إن شبه الفساد مكانها أجهزة تحقيق العدالة من نيابة وشرطة وقضاء وليس أجهزة الإعلام ، ومرة أخرى ستؤثر هذه المعركة علي الأداء التنفيذي للدولة وعلي تماسك الجبهة الوطنية الداعمة للجيش في معركته التي لا تزال نيرانها مشتعلة في جبهات عدة ، ولا يزال الشباب السوداني يقدم الأرواح فداء لتراب الوطن ويسعي لتحرير كردفان ودارفور من دنس التمرد ..
هناك حاجة ملحة وعاجلة لمعالجة مثل هذه المعارك الجانبية معالجة جذرية وشاملة ، ذلك أن المعركة التي تستهدف الوطن لا تنحصر في الميدان فقط ، ولكنها تجري في ميادين مختلفة ، هي معركة تستهدف الوطن في مجال الإقتصاد ، ومعركة في ميادين تخريب المجتمع ووعيه وثقافته ، ومعركة في تعطيل الأداء التنفيذي للدولة ، ومعركة لإبقاء السودان متخلفا وعاجزا وغير قادر علي إستثمار موارده ، والسؤال الذي يطرح هنا هو كيف تعالج الدولة مثل هذه المعارك الجانبية ؟
السبب الأساسي في هذه المعارك الجانبية هو الضعف الذي يعتري جسم الدولة جراء حالة الإنهاك التي تعرض لها منذ خواتيم عهد النظام السابق مرورا بالتفكيك الممنهج إبان عهد قحت وإنتهاء بالحرب الحالية التي هي جزء من مشروع كبير لتفكيك بلادنا وتقسيمها ، ولا شك أن حالة الإنتقال التي كرست لها الوثيقة الدستورية ساعدت في إضعاف الدولة وتأجيل النظر في قضايا إستراتيحية متعلقة بقوة الدولة وقدرتها علي البناء والنمو والنهضة..
إذن المعالجة إنما تنطلق من تقوية الدولة وأجهزتها والذي يبدأ بإنهاء حالة الإنتقال هذه نحو تطبيع الأوضاع ( بإنتخاب ) أجهزة مفوضة تفويضا كاملا من الشعب ، وحتي في ظل هذه الظروف يمكن إنتخاب رئيس الجمهورية والبرلمان بترتيبات معينة تراعي ظروف الحرب وما أفرزته من نزوح ولجوء ، وإذ ننادي بإنتخاب رئيس الجمهورية فإننا نعي جيدا أن وضعا مثل وضع بلادنا بحاجة إلى مركز سلطة قوي ومفوض لا تنازع فيه في الإختصاصات والصلاحيات ، كما أنه سينهي مخلفات فترة قحت التي أوجدت ثمانية رؤساء لا يدري الناس ما حدود إختصاصهم وعلاقتهم بالجهاز التنفيذي ، بل وماذا يفعلون في مواقعهم تلك ، نحن لسنا في موقع يسمح لنا بالتجريب والصبر علي الفشل ، وضعنا لا يسمح لنا بالفرجة علي الوطن وهو يتآكل بفعل التسيب وتداخل الإختصاصات ، والنقطة الثانية بعد إنتخاب رئيس الجمهورية والبرلمان هناك حاجة لتقوية أجهزة العدالة من محكمة دستورية ، والجهاز القضائي ، والنيابة العامة والشرطة والمراجع القومي لتقوم بدورها في المحافظة علي حقوق الشعب بعيدا عن توظيف ملفات الفساد في صراع النفوذ وتصفية الحسابات حتي لا تضيع الحقوق أو يتهم الأبرياء بما ليس فيهم ، أما جهاز الأمن والمخابرات الذي يقوم بدور كبير منذ إندلاع الحرب فهو بحاجة إلى مواصلة جهوده في كشف خطط الأعداء لإضعاف الدولة وأن تكون عينه الساهرة كشافا يحفظ أجهزة الدولة من الإختراق للعمل من الداخل ..
إن نقطة الإبتداء لإستعادة قوة الدولة كشرط لبقائنا – شعبا وبلدا – هو تفويض قيادة منتخبة تكون مسؤولة أمام الشعب دون أن ينازعها أحد لأنها مفوضة من الشعب ، وإنهاء حالة الإنتقال التي أورثتنا الضعف وتسببت في الحرب ، بل وحاولت تفكيك جيش بلادنا وأجهزتنا الأمنية لتترك البلاد جسدا بلا مقاومة فيسهل إبتلاعها، وبخصوص البرلمان المنتخب – مع مراعاة الظروف الحالية – فإنه سينهي الجدل حول دور القوي السياسيه وسيعمل علي تحقيق المساواة بين كافة القوي السياسية – مدنيها وحركات كفاحها المسلح –
وختاما لا يحب أن تغيب عنا ولو للحظة أننا أمام معركة من جناحين ، تحدثنا عن الجناح الاول المتعلق بالأداء التنفيذي ولا يمكننا التحليق بجناح واحد ، والمعركة الأخري هي معركة الميدان حيث يقدم الأبطال دروسا في الفداء والتضحية ، ويجب أن يكون النظر دائما مصوبا نحو الجناحين يخدم أحدهما الآخر حتي يكون تحليقنا آمنا وهبوطنا سلسا ، ملخص القول إن الحل يحتاج دولة قوية تفرض سلطانها فوق الجميع ، وقوة الدولة إنما تكون بقوة مؤسساتها ، وقوة مؤسساتها إنما تستمد من قوة تفويضها من الشعب .
تدشين سلة رمضان لصندوق التأمين الاجتماعى للقوات المسلحة
بتشريف الأمين العام للصندوق الخاص للتأمين الاجتماعي للعاملين بالقوات المسلحة،السيد الفريق …





