الخرطوم بين نشوة العودة وهاجس السلاح المنفلت
تقرير: محجوب أبوالقاسم

محلل استراتيجي:إزالة أي وجود مسلح خارج القانون شرط حاسم لطمأنة الأسر وضمان نجاح العودة الطوعية
لجنة التهيئة تمهد الطريق..والرهان على استلام الشرطة الكامل لملف التأمين
تشهد العاصمة الخرطوم هذه الأيام موجة عودة واسعة من المواطنين إلى أحيائها بعد عامين ونيف من النزوح واللجؤ والقلق حركة المركبات بدأت تستعيد شيئا من زحمتها القديمة والأسواق تفتح أبوابها تدريجيا وأصوات الأطفال تعود إلى الأزقة التي صمتت طويلا، التفاؤل واضح في وجوه العائدين الذين يتحدثون عن بداية جديدة وأمل في استعادة الحياة،
هذا الزخم لم يأتي من فراغ فقد بذلت لجنة تهيئة العودة للخرطوم جهودا كبيرة في تهيئة البيئة الخدمية والأمنية وإعادة تشغيل المرافق الأساسية وتنسيق العمل بين الجهات الرسمية والمجتمعية لضمان عودة امنة ومنظمة غير أن هذا المشهد الإيجابي لا يخلو من تحديات مقلقة أبرزها استمرار بعض مظاهر الوجود المسلح والانفلات الأمني في عدد من الأحياء.
*حوادث تقلق العائدين*
في شرق الخرطوم بالرغم من عودة بعض الخدمات الا ان هناك مواطنين أصروا أن يعودوا لبدء حياتهم من جديد وبالاخص وتحديدا في أحياء أركويت والمعمورة حيث أفاد عدد من المواطنين بظهور مجموعات ترتدي زيا رسمي يشبه زي القوات المشتركة، تتجول داخل الأحياء وتقوم بأعمال “شفشفة” واقتحام منازل بحسب روايات السكان، هذه الحوادث وإن بدت محدودة في نطاقها الجغرافي إلا أن أثرها النفسي يتجاوز حدود المكان إذ تعيد إلى الأذهان مشاهد الفوضى التي دفعت كثيرين إلى مغادرة منازلهم في المقام الأول.
*بين الجهد المؤسسي والفراغ الأمني*
يرى مراقبون أن التحدي الحالي لا يتعلق بغياب الرغبة في بسط الأمن بل بمرحلة انتقالية دقيقة بين واقع عسكري فرضته ظروف الحرب وضرورة العودة إلى الوضع الطبيعي الذي تتصدر فيه الشرطة المشهد الأمني داخل المدن.
ويؤكد محللون أمنيون أن أي وجود مسلح غير منضبط داخل الأحياء السكنية حتى لو كان بزي رسمي يخلق حالة من الالتباس لدى المواطنين ويضعف الثقة في منظومة الحماية،من هنا يتفق كثير من المراقبين على أن استلام الشرطة لملف التأمين بصورة كاملة وعلنية وفق توجيهات لجنة تهيئة العودة يمثل خطوة حاسمة لطمأنة المواطنين ،فالشرطة بوصفها جهازا مدنيا مختص بحفظ الأمن الداخلي هي الجهة الأقدر على إدارة المرحلة الحالية عبر الانتشار المنظم وتسيير الدوريات وفتح أقسام الشرطة وتفعيل البلاغات والإجراءات القانونية.
*الخوف من الرسالة الخاطئة*
القلق لا يكمن فقط في وقوع حوادث هنا وهناك بل في الرسالة التي قد تصل إلى من يفكرون في العودة فالعاصمة التي بدأت تستعيد أبناءها تحتاج إلى خطاب طمأنة عملي لا يقتصر على الدعوة للعودة بل يترجم إلى حضور أمني منضبط وواضح.
ويحذر خبراء اجتماعيون من أن أي شعور بانعدام الأمان قد يدفع بعض الأسر إلى التراجع عن قرار العودة، أو حتى التفكير في مغادرة البلاد مجددا وهو ما يمثل خسارة مضاعفة نزيفا بشريا وتعطيل لعملية التعافي الاقتصادي والاجتماعي.
*ما المطلوب الآن؟*
في المقام الاول تنفيذ توجيهات لجنة تهيئة العودة بصورة كاملة خاصة ما يتعلق بترتيبات الأمن الداخلي
وحسم أي مظاهر لارتداء زي رسمي دون صفة قانونية، ومحاسبة المتورطين في الانتحال أو الجرائم وإطلاق حملات توعية للمواطنين حول آليات الإبلاغ وتعزيز الشراكة بين المجتمع والشرطة بالاضافة الى إعلان خطة أمنية واضحة ومعلنة زمنيا تعزز الثقة وتغلق باب الشائعات.
*ازالة وجود السلاح خطوة أساسية لطمأنة الأسر*
أكد الخبير الاستراتيجي جادالله فضل المولي أن قضية العودة الطوعية إلى العاصمة الخرطوم تمثل ملفا وطنيا بالغ الحساسية يتجاوز كونه قرارا فرديا إلى كونه استحقاقا مرتبطا بمستقبل الدولة واستعادة العاصمة لدورها السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
وأوضح أن العودة الطوعية حق أصيل للمواطن، وليست مغامرة أو مقامرة، بل تعبير عن حق الإنسان في العودة إلى منزله وأرضه وحيه والعيش في بيئة يسودها الأمن ويعلو فيها صوت القانون غير أن هذا الحق يظل مشروطا بتوافر بيئة آمنة تضمن سلامة الأرواح والممتلكات وتعزز ثقة المواطنين في قدرة الدولة على بسط هيبتها.
وأشار د. جادالله إلى أن نجاح العودة الطوعية مرهون بخلو العاصمة من المظاهر العسكرية غير المقننة وضبط السلاح العشوائي الذي بات يشكل مصدر قلق يومي للمواطنين، مؤكدا أن إزالة أي وجود مسلح خارج إطار القانون تمثل خطوة أساسية لطمأنة الأسر وتشجيعها على العودة.
وأضاف أن استكمال انتشار الشرطة في أحياء العاصمة ليس إجراءً إداريا فحسب بل رسالة عملية تعكس جدية الدولة في فرض الأمن وبناء الثقة.
ووجه رسالة مباشرة إلى المواطنين دعاهم فيها إلى عدم الاستسلام للهواجس مؤكدا أن الدولة تدرك حجم المخاوف وتتعامل معها بجدية وأن هناك خطوات عملية تتخذ لضبط الأمن وتثبيت الاستقرار. وقال إن الخرطوم لن تستعيد عافيتها إلا بعودة أهلها، ولن تستعيد وجهها الحضاري إلا إذا امتلأت شوارعها بالحياة الطبيعية بدلا من مظاهر الخوف.
كما وجه رسالة إلى الأجهزة الأمنية شدد فيها على أن مسؤوليتها مضاعفة في هذه المرحلة وأن نجاح مشروع العودة الطوعية يعتمد على قدرتها على بسط سيادة القانون وإزالة كل المظاهر المسلحة المخالفة، وترسيخ وجود شرطي فعال في الشارع يعكس حضور الدولة وهيبتها.
وأكد أن ملف العودة الطوعية يتطلب تكاتف الجميع مواطنين ومؤسسات أمنية ومجتمعية، لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع وترسيخ قناعة راسخة بأن القانون هو المرجعية الوحيدة، وأن صوت القانون يجب أن يكون أعلى من صوت السلاح.
وختم د. جادالله تصريحه بالتأكيد على أن الخرطوم قادرة على النهوض من جديد، وأن الطمأنينة ستعود بإذن الله، وأن العاصمة ستستعيد مكانتها كمدينة للحياة والكرامة والسلام، مدينة لا يعلو فيها إلا صوت الحق ولا يسود فيها إلا الأمان.
*بين الأمل والحذر*
الخرطوم اليوم تقف على مفترق طرق بين أمل كبير في استعادة الحياة وهاجس مشروع من تكرار الفوضى، موجة العودة الحالية تعكس عمق ارتباط السودانيين بعاصمتهم واستعدادهم لتحمل المشاق من أجل الاستقرار لكن هذا الاستعداد يحتاج إلى مظلة أمان حقيقية.
نجاح لجنة تهيئة العودة لا يقاس فقط بعدد العائدين بل بقدرتها على تحويل العودة إلى استقرار دائم وهذا لن يتحقق إلا بحسم ملف الوجود المسلح داخل الأحياء وتسليم راية التأمين كاملة للشرطة حتى تعود الخرطوم مدينة مدنية آمنة، لا ساحة مفتوحة للزي المشتبه والبندقية المنفلتة فالناس عادت..ويبقى أن يكتمل الأمان.
تدشين سلة رمضان لصندوق التأمين الاجتماعى للقوات المسلحة
بتشريف الأمين العام للصندوق الخاص للتأمين الاجتماعي للعاملين بالقوات المسلحة،السيد الفريق …





