‫الرئيسية‬ مقالات الأصابع الخفية في الحرب السودانية: بين مليشيات الدعم السريع والمواقف السياسية؟   الحلقة الرابعة: ضبابية قحت في مواجهة الإسلاميين  
مقالات - فبراير 23, 2026

الأصابع الخفية في الحرب السودانية: بين مليشيات الدعم السريع والمواقف السياسية؟   الحلقة الرابعة: ضبابية قحت في مواجهة الإسلاميين  

نقطة ارتكاز   د. جادالله فضل المولى  

في قلب المشهد السوداني المشتعل، حيث تتداخل أصوات البنادق مع صرخات المدنيين، وحيث تتقاطع مصالح القوى الإقليمية والدولية مع طموحات المليشيات المسلحة، تقف أحزاب قوى الحرية والتغيير “قحت” في موقع ملتبس يثير الريبة أكثر مما يبعث على الثقة. هذه القوى التي رفعت يوماً راية الثورة، وملأت الشوارع بشعارات الحرية والسلام والعدالة، تبدو اليوم وكأنها فقدت البوصلة، عاجزة عن الإمساك بخيوط اللعبة السياسية، فلا هي قادرة على إدانة المليشيات بوضوح، ولا هي قادرة على صياغة مشروع وطني جامع يلتف حوله السودانيون في مواجهة الانهيار.

 

لقد تحولت قحت من رمز للأمل إلى عنوان للغموض، حيث غابت عنها القدرة على المبادرة، واكتفت بالتصريحات الملتبسة والبيانات التي لا تحمل موقفاً حاسماً. رفعت شعار “لا للحرب” لكنها لم تقدم فعلاً يوازي هذا الشعار، فبدا وكأنها خارج المعادلة، تراقب المشهد من بعيد بينما الوطن يتهاوى تحت ضربات الحرب. إن ضبابية الموقف ليست مجرد ضعف في التعبير، بل هي عجز عن مواجهة التحديات، وإخفاق في تقديم بديل سياسي يوازي حجم الأزمة التي يعيشها السودان.

 

في المقابل، وقف الإسلاميون ــ الذين طالما وصمتهم قحت بالعداء ــ موقفاً أكثر وضوحاً في مواجهة التمرد. اختلفنا أو اتفقنا معهم، لكنهم أظهروا صلابة رجال دولة، لم يهربوا خارج السودان، بل عاد من كان بالخارج وانحاز لصوت الحق، وقاتل منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا. هذا الموقف الواضح منحهم قوة في التأثير على الشارع، وأعاد إليهم جزءاً من رصيدهم السياسي، في وقت بدت فيه قحت غارقة في حسابات ضيقة، مترددة بين أن تكون أو لا تكون.

 

إن الموقف الضبابي الذي تتبناه قحت ليس مجرد حياد سياسي، بل هو انعكاس لأزمة عميقة في بنيتها الفكرية والتنظيمية. انقسمت بين تيارات تبحث عن مصالحها الخاصة، وأخرى تخشى أن تُحسب على طرف قد يخسر المعركة، فيما ظل الشارع السوداني يراقب هذا التردد بمرارة، متسائلاً عن جدوى وجود قوى سياسية لا تستطيع أن تقدم رؤية واضحة توقف نزيف الدم وتعيد بناء الدولة.

 

في ظل هذا التردد، يزداد نفوذ القوى الخارجية، ويترسخ الدعم الخارجي للمليشيات، بينما تتراجع الأحزاب المدنية إلى الصفوف الخلفية فاقدة القدرة على التأثير في مسار الأحداث. وهكذا يجد السودان نفسه بين مطرقة المليشيات وسندان التدخلات الخارجية، فيما القوى السياسية التي كان يُفترض أن تكون صوت الشعب، غارقة في صراعات داخلية وحسابات لا ترتقي إلى مستوى التحدي الوطني.

 

إن ضبابية قحت ليست تفصيلاً عابراً في المشهد، بل هي أحد أسباب تعقيد الأزمة، إذ أن غياب الرؤية السياسية الواضحة يفتح الباب أمام مزيد من الفوضى، ويمنح المليشيات فرصة أكبر لترسيخ نفوذها. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل تستطيع هذه الأحزاب أن تستعيد دورها التاريخي وتقدم مشروعاً وطنياً جامعاً، أم أنها ستظل أسيرة ضبابية المواقف حتى يطويها الزمن وتخرج من المشهد تماماً؟

 

إن السودان اليوم لا يحتاج إلى شعارات فضفاضة ولا إلى بيانات ملتبسة، بل إلى مواقف حاسمة، وإلى قوى سياسية تتحمل مسؤوليتها التاريخية في مواجهة الانهيار. فالتاريخ لا يرحم المترددين والشعوب لا تنتظر طويلاً من يقف على الهامش بينما الدماء تسيل والأوطان تتهاوى.

meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

نهر النيل تطلق أكبر حملة مكافحة لنواقل الأمراض

​تُدشن ولاية نهر النيل غداً السبت أضخم حملة رش جوي وأرضي لمكافحة نواقل الأمراض والحد من ان…