‫الرئيسية‬ مقالات مجمع الفقه وغياب المصداقية(٢)فتوى على عجل حين تُختطف المرجعية ويُدار الدين بقرارٍ إداري
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

مجمع الفقه وغياب المصداقية(٢)فتوى على عجل حين تُختطف المرجعية ويُدار الدين بقرارٍ إداري

خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

قرأتُ بيان مجمع الفقه الإسلامي في إدانة الداعية الأصولي موسى البدري، فاستوقفتني لا الكلمة التي قيل إنها زلّة لسان—وقد اعتذر صاحبها—بل الطريقة التي أُدير بها المشهد؛ إذ كيف تُصدر جهةٌ تمثل مرجعية دينية حكمًا بالإدانة دون استيضاحٍ من المعني، أو سلوك مسار التثبت والاستتابة إن كان في القول ما يُخشى أن يمسّ شعيرة من شعائر الدين؟

والأدهى من ذلك أن بعض أعضاء المجمع أنفسهم أفادوا أنهم لم يطّلعوا على البيان إلا عبر الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي، وهو خللٌ إجرائي جسيم، يُفقد الفتوى روحها الجماعية، ويحوّلها من اجتهادٍ مؤسسي إلى رأيٍ مُمرَّر، ويُثير تساؤلًا مشروعًا: من الذي تكلّم باسم المجمع؟

ثم إن خلفية التشكيل والتحوّلات الإدارية تزيد المشهد تعقيدًا؛ فقد كان المجمع في بداياته تابعًا لمجلس السيادة، ثم تم نقله إلى مجلس الوزراء في عهد عبدالله حمدوك، قبل أن يُحال إلى وزارة الشؤون الدينية، وهنا بدأ الخلل يتسلل إلى بنيته، إذ انتقل من مظلةٍ سيادية يُفترض فيها قدرٌ أعلى من الاستقلال، إلى نطاقٍ تنفيذيٍ تتجاذبه الاعتبارات السياسية، فصار—واقعًا—داخل دائرة التأثير المباشر، وتحولت الفتوى من ميزانٍ شرعي إلى أداةٍ إدارية؛ ولهذا لم نسمع له إدانةً صريحة للميليشيا، ولا موقفًا واضحًا تجاه الانتهاكات والظلم الذي وقع على السودانيين، في وقتٍ كانت فيه الكلمة الشرعية أولى ما يُنتظر.

وإذا كان هذا الواقع يثير القلق، فإن السكوت الرسمي عنه يزيده إشكالًا، خاصة في ظل قيادة الرئيس عبد الفتاح البرهان، حيث تنتظر الساحة موقفًا يعيد ضبط العلاقة بين الفتوى والسلطة، ويمنع انزلاقها إلى مسارات تُوظّف فيها الأحكام لخدمة توجهات أو حسابات.

ومن المهم—مع حساسية المقام—أن يُتناول هذا الملف بحذرٍ واتزان، بعيدًا عن إسقاطاتٍ غير منضبطة، مع الانفتاح على التجارب الرصينة والاستفادة منها دون إسقاطٍ أو تسييس؛ فالتجربة في المملكة العربية السعودية والتجربة في جمهورية مصر العربية تقدّمان نماذج يمكن الاستفادة منها في تنظيم العلاقة بين الدولة والمؤسسات الدينية، مع الحفاظ على استقلال القرار العلمي للفتوى.

فهذا الأزهر الشريف ظلّ محافظًا على مكانته العلمية، يقوم بدوره في الإفتاء والتوجيه وفق أصوله المعروفة، وهذه هيئة كبار العلماء تُدار ضمن منظومةٍ علمية راسخة، وقد درجت الدولة—منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز آل سعود—على احترام قراراتها وعدم التدخل في شؤونها، بما يحفظ للفتوى هيبتها ويصون مكانتها.

إن الخلل ليس في وقوع الزلات—فالبشر يُخطئون—وإنما في إدارة الخطأ: أتحقيقٌ وتثبّت، أم استعجالٌ وإدانة؟ أتشاورٌ مؤسسي، أم قراراتٌ تُصاغ خارج دوائر الاجتهاد؟

وعليه، فإن المخرج الأقوم يتمثل في إعادة تبعية المجمع إلى مجلس السيادة، لا إلى مجلس الوزراء، حتى لا تكون الفتوى خاضعةً لتقلبات الجهاز التنفيذي، مع إعادة تشكيله على أسس علمية محضة، تضم أهل الاختصاص المشهود لهم بالكفاءة والديانة، صونًا للدين من العبث، وحفظًا لهيبة الفتوى من أن تُدار بمنطق الإدارة لا بمنهج الشريعة.

ومن هذا المنطلق، فإنني أناشد رئيس مجلس السيادة الفريق عبد الفتاح البرهان بضرورة إعادة المجمع إلى مظلته السيادية، بما يعيد له استقلاله وهيبته، ويقطع الطريق أمام أي توظيفٍ سياسي للفتوى. كما آمل من رئيس الوزراء د. كامل إدريس أن يبادر بحلّ المجمع في دورته الحالية بعد انتهاء مدتها النظاميةوإعادة تشكيله تحت إشراف مجلس السيادة، مع الاستفادة الواعية من التجربتين السعودية والمصرية في ضبط العلاقة بين الدولة والفتوى، حفظًا للدين وصونًا للمجتمع من الفتنة.

وإن استمر الحال على ما هو عليه، فإننا أمام منزلقٍ خطير، تتحول فيه الفتوى إلى ساحة صراع، ويصبح الدين—حاشاه—ورقةً في يد السياسة.

وفي المقال القادم، بإذن الله، نكشف مزيدًا من التناقضات، ونضع بين أيديكم الأدلة على كيف تم تسييس المجمع خطوةً خطوة.

‫شاهد أيضًا‬

نهر النيل تطلق أكبر حملة مكافحة لنواقل الأمراض

​تُدشن ولاية نهر النيل غداً السبت أضخم حملة رش جوي وأرضي لمكافحة نواقل الأمراض والحد من ان…