‫الرئيسية‬ مقالات مجموعة الذهبي.. استثمار في مستقبل الأمن الغذائي
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

مجموعة الذهبي.. استثمار في مستقبل الأمن الغذائي

رحمة عبدالمنعم

في خضم التحولات الاقتصادية العميقة التي فرضتها الحرب على بنية الإنتاج في السودان، برزت نماذج وطنية اختارت أن تواجه التحدي بالفعل لا بالخطاب، وأن تستثمر في لحظة الانكماش بدل الانكفاء. ومن بين هذه النماذج تبرز مجموعة الذهبي بوصفها تجربة استثمارية صناعية متكاملة، تمضي بخطى محسوبة نحو إعادة بناء سلاسل الإمداد الغذائي وتعزيز الأمن الغذائي على أسس حديثة.

 

أثناء وجودي في بورتسودان، حرصت على تلبية دعوة لزيارة مجموعة الذهبي، حيث التقيت مديرها العام الأستاذ محمد علي عثمان كمبال، الذي يدير المجموعة رفقة المدير التنفيذي الأستاذ علي كمبال، وقد وجدت أمامي نموذجاً لشباب متميزين، يجمعون بين الرؤية الاستثمارية الواضحة والقدرة التنفيذية، ويعكسون جيلاً جديداً من رجال الأعمال الذين يدركون أن الاقتصاد في زمن الحرب معركة موازية لا تقل أهمية عن أي جبهة أخرى.

 

تأسست المجموعة في العام 2022 على قاعدة صناعية قوية، عبر خطوط إنتاج متقدمة من شركة Bühler Group السويسرية، وهي من الشركات العالمية الرائدة في تقنيات طحن الحبوب ومعالجتها، وقد شمل المشروع إنشاء خط طحن بطاقة 600 طن يومياً، إلى جانب صوامع بسعة تخزينية تبلغ 30 ألف طن في مدينة الباقير بولاية الجزيرة، بما يعكس رؤية مبكرة لتوطين صناعة استراتيجية تمس الأمن الغذائي مباشرة.

 

وعند اندلاع الحرب، وبعد أن كانت المجموعة قد دفعت 25% من قيمة المشروع، واجهت تحدياً وجودياً فرض عليها إعادة التموضع الجغرافي،فانتقلت إلى ولاية البحر الأحمر، حيث لم تكتفِ بالحفاظ على استمرارية النشاط، بل وقّعت اتفاقية شراكة جديدة مع شركة Bühler ممثلة في رئيسها التنفيذي علي كمبال، لتنفيذ مشروع نوعي في ميناء بورتسودان الشمالي، يهدف إلى زيادة السعة التخزينية وتسريع عمليات تفريغ القمح، بما يسهم في تقليل الفاقد الزمني وخفض كلفة الإمداد، وتعزيز قدرة البلاد على تأمين احتياجاتها من القمح في ظل اضطراب سلاسل الإمداد العالمية.

 

وقد اشترت المجموعة قطعة أرض بمساحة 21 ألف متر مربع في محيط الميناء لتنفيذ المشروع، غير أن التحديات الإجرائية دفعتها إلى توسيع خياراتها الاستثمارية، فاتجهت إلى ولاية نهر النيل حيث اشترت مساحة 58 ألف متر مربع لإنشاء مطاحن إضافية، كما استثمرت في القطاع الزراعي بشراء ساقية بمساحة 20 فداناً في كسلا، في خطوة تعكس فهماً تكاملياً لدورة الإنتاج من الحقل إلى المصنع.

 

وبعد تحرير ولاية الجزيرة، عادت المجموعة إلى منطقة الباقير واستأنفت العمل فيها، مستفيدة من بنيتها التحتية القائمة. كما عززت قدراتها التخزينية عبر استئجار 15 صومعة من هيئة الموانئ البحرية السودانية، سعة كل منها 5 آلاف طن، بإجمالي 75 ألف طن، ما يرفع قدرتها على إدارة المخزون الاستراتيجي بكفاءة عالية.

 

و تمتلك المجموعة أسطولاً للنقل، ما يمنحها مرونة في إدارة الإمداد الداخلي، ويقلل من الاعتماد على أطراف خارجية في حلقات التوزيع،كما أن نموذجها الإنتاجي لا يتوقف عند طحن القمح، بل يمتد إلى تعظيم القيمة المضافة عبر الاستفادة من الردة ومخلفات الطحن في إنتاج الأعلاف وتسمين العجول والدواجن وإنتاج البياض، وهو ما يعكس وعياً اقتصادياً بمفهوم الاقتصاد الدائري وتقليل الهدر.

 

وتشمل المنظومة الصناعية خطوط إنتاج للمكرونة والشعيرية بطاقة 4 أطنان في الساعة، أي نحو 96 طناً يومياً، إضافة إلى خط لإنتاج البسكويت بطاقة طنين في الساعة، إلى جانب مصنع كرتون، ومصنع صابون “عزة”، ومصنع مياه معدنية “نبتة”، وقد دخلت هذه المصانع بالفعل مرحلة الإنتاج، ما يكرس المجموعة كمجمع صناعي متعدد الأنشطة برأسمال يناهز 250 مليون دولار،وعند التشغيل الكامل للخطوط، من المتوقع أن يوفر المشروع نحو ثلاثة آلاف وظيفة مباشرة وغير مباشرة، وهو رقم ذو دلالة كبيرة في اقتصاد أنهكته الحرب.

 

غير أن ما يلفت النظر في تجربة مجموعة الذهبي لا يقتصر على الأرقام والاستثمارات، بل يمتد إلى البعد الوطني والاجتماعي، فقد جهزت المجموعة أكثر من 40 عربة محملة بالمواد الغذائية دعماً للقوات المسلحة والقوات المساندة لها، بما يعادل نحو ألفي طن من المواد الغذائية، كما دعمت الشرطة والمؤسسات المدنية، وقدمت سلالاً رمضانية، وأسهمت في دعم التكايا والخلاوي في كدباس وأبو حراز، في تجسيد واضح لفكرة أن رأس المال الوطني يمكن أن يكون شريكاً في الصمود المجتمعي، لا مجرد فاعل اقتصادي يبحث عن الربح.

 

إن تجربة مجموعة الذهبي تقدم مثالاً على أن الاستثمار في زمن الحرب ليس مغامرة عابرة، بل خيار استراتيجي يتطلب شجاعة ورؤية بعيدة المدى، وبين خطوط الطحن والصوامع والموانئ والمزارع، تتشكل ملامح مشروع اقتصادي وطني يسعى إلى تحويل التحدي إلى فرصة، وبناء قاعدة إنتاجية قادرة على الإسهام في إعادة إعمار ما دمرته الحرب، وتأسيس اقتصاد أكثر اعتماداً على الذات وأكثر قدرة على الصمود.

‫شاهد أيضًا‬

رمضان: التقوى والقرآن

*📖{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي &أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِ…