البحر المتوسط… مقبرة أفريقيا
ما وراء البحار بقلم: عباس حمدون

٢٣-٢-٢٠٢٦
لا زلتُ أكتب عن مآسي الهجرة. ولا يزال الشريط المائي الذي يربط الأرض ويفصل أفريقيا عن العالم الغربي يحصد أرواح شباب القارة السمراء، تدفع أزمات الفقر وانعدام الاستقرار السياسي والصراعات الداخلية في عدد من الدول الأفريقية آلاف الشباب إلى الهروب من أوطانهم بحثاً عن أفقٍ أرحب. غير أن الهروب من جحيم الأحوال المعيشية السيئة لا يعني النجاة، فكثيرون يبتلعهم البحر قبل أن تطأ أقدامهم الضفة الأخرى. وكأن الموت هناك لا يكتفي بساحات النزاع، بل يمتد إلى عرض المتوسط ليقتطع نصيبه من الأرواح.
أما من ينجو من الغرق ويصل إلى أوروبا، فإنه يدخل معركة أخرى من نوع مختلف. سنوات تمضي وهو يصارع تعليم لغة البلد، ويطارد فرصة الاستقرار، ويحلم بالحصول على الجنسية بوصفها مفتاحاً لحرية الحركة والانطلاق. تمر الأعوام سريعاً، وحين يلتفت خلفه يكتشف أن عقداً أو أكثر من عمره قد انقضى في انتظار اكتمال الحلم.
وفي خضم هذا السعي الطويل، يتسلل نوع من الجمود في التفكير حول قرار العودة. تتنازعه العاطفة والعقل؛ فالعاطفة مشدودة إلى الوطن.. إلى الأهل والذكريات، بينما العقل يحسب المكاسب والخسائر بلغة الأرقام والاستقرار. وغالباً ما تنتصر الحسابات المؤجلة، فيُرحل القرار عاماً بعد عام حتى يصبح التأجيل أسلوب حياة.
كثير من أبناء السودان في المهجر ممن أمضوا ربع أعمارهم أو أكثر خارج البلاد، وجدوا أنفسهم بين ثقافتين. وتباعدوا تدريجياً عن تفاصيل [السودانوية] بما تحمله من قيم والترابط الاجتماعي، واعتادوا نمط الحياة الغربي القائم على الاستقلالية الفردية. وهذا واضح لمن جرب الهجرة. فالشخص الذي يهاجر يدرك أن الاستثمار في بلده أفضل، لكن الظروف اللوجستية قد تجبره على اختيار الخارج كسوق له.
تجربة الهجرة تجعل المهاجر، عندما يعود إلى أسرته بعد سنوات طويلة، يجد أنهم ليسوا بنفس العدد الذي تركهم به. بعضهم يجدهم سكنوا التراب.
إذا بحثت في دول المهجر، ستجد غالباً أن أقدم مهاجر في أي بلد هو سوداني. وتتعجب عندما يقول لك [أنا هنا عندي عشرين سنة ما رجعت السودان] ومع كل هذه السنوات، لا يبدو الشوق للعودة واضحاً، بل يقول ببساطة [إن شاء الله برجع].
وتكمن المشكلة الأعمق في الصورة الذهنية الراسخة لدى بعض الأفارقة، مفادها أن الغرب متفوّق في كل شيء، وأن اللحاق به يقتضي الذوبان في نموذجه. فيُسلّم البعض بهذه الفكرة، ويقبل الفوارق بوصفها قدراً لا يُراجع، حتى لو كان الثمن تراجعاً عن عاداته وتاريخه وشعوره بقيمته الحضارية. وهنا يتحول الإعجاب المشروع بالتجربة الإنسانية إلى انبهار يُضعف الثقة بالذات.
إن الهجرة ليست خطيئة، وليست فضيلة مطلقة، إنها خيار معقد تصنعه الظروف وتعيد تشكيله القرارات، وإدراكه أن الكرامة لا تُستورد، وأن الوطن مهما اعتراه من خلل، يظل فضاء الهوية الأول. أما البحر، فسيبقى شاهداً صامتاً على حكايات كان يمكن أن تُروى في اليابسة، لولا أن الأحلام دفعتها الأمواج بعيداً.
إذا أردنا أن نضع حداً لعصر الهجرة الجماعية نحو الغرب عبر المحيطات، وأن نوقف التدفق البشري الأفريقي الذي أنهك القارة وافرغها من طاقاتها الشابة، فلا بد من معالجة الأسباب لا النتائج. فالهجرة ليست أزمة حدود، بل أزمة أوطان. وهي ليست اندفاعاً عاطفياً نحو الحلم الأوروبي بقدر ما هي هروب عقلاني من واقع مأزوم.
إن الخطوة الأولى تبدأ بعودة أفريقيا إلى ذاتها التاريخية، إلى وعي يعيد بناء الدولة على أسس الحوكمة الرشيدة، والتنمية الاقتصادية المنتجة. فلا نهضة بلا مؤسسات قوية، ولا استقرار بلا عدالة، ولا بقاء للشباب في أوطانهم ما لم يجدوا فيها أفقاً كريماً للحياة والعمل.
فإذا تحسنت سبل العيش في البلد الأم، وتوفرت فرص العمل، واستقرّت البيئة السياسية، فلن تبقى أوروبا أكثر من خيار تعليمي أو ترفيهي مؤقت، لا ملاذاً نهائياً. حينها لن تنافس مغريات الخارج دفء الأسرة، ولن تتغلب جاذبية الأجواء الأوروبية على الانتماء الاجتماعي العميق. فالغربة الحقيقية ايضاً ليست جغرافية فحسب، بل شعور بالعجز داخل الوطن. ولذلك بعضهم يقول: [الفلس وسط الأهل غربة] لأن الفقر حين يقترن بانعدام الأمل يصبح أشد قسوة من البعد.
غير أن الحديث عن الإصلاح الداخلي لا يعفي من مساءلة السياق الدولي. فمن المشروع أن نتساءل: لماذا استطاعت الدول الغربية تحصين جبهتها الداخلية ضد الانهيار، بينما تتكرر دوائر الصراع في أجزاء واسعة من أفريقيا؟ ولماذا تظهر بعض القوى الكبرى فاعلة في لحظات التوتر السياسي عندما يكون الدولة الإفريقية في حالة السلم، ثم تتصدر مشهد المساعدات الإنسانية عند اندلاع الحروب، دون أن تكون شريكاً حقيقياً في صناعة الاستقرار المستدام؟
لقد عرفت أوروبا نفسها قروناً من الفوضى الدامية. ومن أبرز محطاتها حرب الثلاثين عاماً التي بدأت صراعاً دينياً داخل أراضي الإمبراطورية الرومانية المقدسة، ثم تحولت إلى حرب نفوذ سياسي بين القوى الأوروبية الكبرى. عاشت القارة آنذاك انهياراً شاملاً.. تداخلت الجبهات، ضعفت السيادة، وعمّ النزوح والخراب، وسقط الملايين بين قتيل ومهجّر.
غير أن التحول التاريخي جاء مع صلح وستفاليا، الذي أرسى مبادئ سيادة الدولة الوطنية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتنظيم العلاقات بين الكيانات السياسية على أساس الاعتراف المتبادل. ومن هناك بدأت أوروبا مساراً طويلاً نحو بناء الدولة الحديثة، وترسيخ مفهوم النظام الدولي القائم على السيادة.
ولو لم تتجاوز أوروبا تلك المرحلة الدموية، لربما كانت اليوم تعيش واقعاً شبيهاً بما تعيشه مناطق مضطربة [أفريقيا أخرى]، ولما أصبحت مقصداً للهجرة. فالتاريخ يعلمنا أن الاستقرار لم يكن هبة لأوروبا، بل ثمرة مراجعات مؤلمة وصراعات انتهت بإعادة صياغة قواعد اللعبة السياسية.
إن الدرس الأهم لأفريقيا ليس في تقليد الغرب، بل في فهم مساره: كيف انتقل من الفوضى إلى الدولة، ومن الحرب إلى النظام، ومن الصراع الداخلي إلى التكامل الإقليمي. فالهجرة لن تتوقف بالحواجز البحرية، ولا باتفاقيات الردع، بل بإعادة بناء الداخل على أسس الاستقرار والكرامة.
عندها فقط لن يكون الجغرافية المائية مقبرة، ولن يكون المتوسط طريقاً للهروب، بل يصبح السفر خياراً حراً لا ضرورة قسرية. وتتحول الهجرة من نزيف بشري إلى تبادل معرفي، ومن فقدان للطاقات إلى شراكة متوازنة مع العالم.
رمضان: التقوى والقرآن
*📖{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي &أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِ…





