‫الرئيسية‬ مقالات ستّ الودع والأبراج… حين يُسوَّق الغيب على الشاشات
مقالات - ‫‫‫‏‫5 ساعات مضت‬

ستّ الودع والأبراج… حين يُسوَّق الغيب على الشاشات

خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

شاهدتُ في أحد البرامج التلفزيونية امرأةً تُلقَّب بـ“ستّ الودع”، ترمي أصدافًا صغيرة ثم تبدأ في تفسير أشكالها، مدّعيةً أنها تكشف المستقبل، وتدلّ على الخير أو الشر، وتزيح الستار عن المستور. والمشهد لم يكن عابرًا؛ إذ يتكرر هذا اللون من الطرح في بعض القنوات، وتجد له امتدادًا في الصحف ومنصات التواصل عبر “حظك اليوم” و“الأبراج”، حتى أصبح الغيب مادةً إعلامية تُستهلك يوميًا.

وهذه الظاهرة ليست مجرد ممارسة شعبية بريئة، ولا لونًا من ألوان الترفيه الخفيف، بل هي في حقيقتها ادعاءٌ لعلم الغيب، ولو لُفّ بثوب التراث أو الثقافة أو الرمزية. فالغيب في العقيدة الإسلامية ليس مساحةً مفتوحة للاجتهاد البشري، بل هو من خصائص الله سبحانه وتعالى، كما قال جلّ وعلا:

﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (النمل: 65)، وقال سبحانه: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ (الأنعام: 59). فحين تُربط الحوادث بحركة خرزة، أو اتجاه صدفة، أو تاريخ ميلاد، فإننا نكون قد نقلنا مصدر المعرفة بالمستقبل من الوحي والإيمان بقضاء الله إلى أدواتٍ موهومة لا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًّا. وهذا هو جوهر الخلل.

وقد جاء التحذير النبوي صريحًا من الكهانة والعرافة، فقال ﷺ: «من أتى عرّافًا فسأله عن شيءٍ لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة» (رواه مسلم)، وقال ﷺ: «من أتى كاهنًا أو عرّافًا فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أُنزِل على محمد» (رواه أحمد وأبو داود). وهذه النصوص لا تتعلق بزمنٍ دون زمن، ولا بكاهنٍ يلبس عمامةً دون آخر يظهر على شاشةٍ حديثة؛ فالعبرة بحقيقة الفعل لا باسمه ولا بوسيلته.

وما يُنشر يوميًا تحت عناوين الأبراج هو الوجه الآخر للعملة نفسها؛ إذ يُربط سلوك الإنسان ومستقبله وحظه بحركة النجوم. وقد قال النبي ﷺ: «من اقتبس شعبةً من النجوم فقد اقتبس شعبةً من السحر» (رواه أبو داود). فالنجوم آياتٌ من آيات الله، زينةٌ للسماء وعلاماتٌ يُهتدى بها، لا مفاتيحَ للأرزاق ولا خرائطَ للمصائر.

والمؤسف أن بعض من يُوصَفون بالمثقفين يتعاملون مع هذه الظواهر بتساهلٍ أو ترويج، وكأن الإيمان بالأبراج وقراءة الطالع خيارٌ ثقافيٌّ شخصي. غير أن المسألة في حقيقتها عقدية؛ لأنها تمسّ أصل التوحيد، الذي يقوم على أن الله وحده هو العالم بالغيب، المدبّر للأمر، النافع الضار. فحين يتعلّق القلب ببرجٍ أو خرزة، ولو على سبيل الظن أو الاحتمال، يضعف فيه معنى التوكل الخالص على الله.

وقد يقول قائل: إنما هو للتسلية! لكن تطبيع الخرافة أخطر من ممارستها؛ لأنه يُضعف الحسّ العقدي، ويجعل الغيب مجالًا للعبث الإعلامي، ويُنشئ أجيالًا لا ترى بأسًا في سؤال العرّاف أو انتظار “حظ اليوم” قبل اتخاذ قرار.

إن حماية جناب التوحيد ليست ترفًا فكريًا، بل هي صيانةٌ لأعظم حقٍّ لله على عباده. فالإيمان الحقّ يقتضي أن نُسلّم بأن الغد بيد الله، وأن الخير والشر بقضائه، وأن الرزق والأجل والمصير لا تُحدّدها نجمةٌ في السماء ولا صدفةٌ على الأرض.

ومن هنا فإن واجب النخبة والإعلام والمثقفين أن يُعزّزوا الوعي، لا أن يُكرّسوا الوهم، وأن يُحصّنوا المجتمع من الدجل، لا أن يمنحوه منصةً جديدة. فليس كل ما شاع صار صوابًا، ولا كل ما استُهلك إعلاميًا أصبح حقيقة.

نسأل الله أن يثبت قلوبنا على التوحيد الخالص، وأن يرزقنا يقينًا لا يتزعزع بأن الغيب له وحده، وأن يصرف عن مجتمعاتنا كل صور الكهانة والشعوذة، قديمها وحديثها.

‫شاهد أيضًا‬

“زين” تدشّن مشروع تحلية مياه الشرب بمنطقة بغشه بمحلية سنكات – ولاية البحر الأحمر

دشّنت الشركة السودانية للهاتف السيار “زين”، اليوم الأربعاء الموافق 25 فبراير، مشروع تحلية …