‫الرئيسية‬ مقالات البنيان الذي لا تهزّه العواصف
مقالات - ‫‫‫‏‫5 ساعات مضت‬

البنيان الذي لا تهزّه العواصف

سلسلة الخيرية(2)  د.نجلاء حسين المكابرابي 

بيتٌ أُسِّس على التقوى… حين يكون الأساس هو الفارق

في زمنٍ تتكاثر فيه الأبنية وتتعاظم فيه الشعارات، يبقى السؤال الجوهري: على أيِّ أساسٍ نقيم بيوتنا، ونبني مؤسساتنا، ونشيِّد أوطاننا؟

إن البناء ليس حجارةً تُرصُّ فوق بعضها، ولا كلماتٍ تُكتب في صدر الدساتير، بل هو روحٌ تسري في العروق، وقيمةٌ تُغرس في الجذور.

قال تعالى في سورة التوبة:

﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾.

وقد أجمع جمهور العلماء على أن المقصود ابتداءً هو مسجد قباء، أول مسجد أُسس في الإسلام، يوم أن وضع النبي ﷺ لبناته الأولى في المدينة، فكان البناء متواضعًا في شكله، عظيمًا في معناه.

وفي المقابل، جاء ذكر مسجدٍ آخر بُني على النفاق والفرقة، فكان مصيره الهدم والاندثار. وهنا تتجلى القاعدة الربانية: الفارق ليس في الجدران، بل في النيات.

التقوى… حجر الأساس

التقوى ليست شعارًا يُرفع، بل وازعٌ داخلي يضبط السلوك، ويهذّب القرار، ويقيم الميزان بين الحق والهوى.

فإذا دخلت التقوى بيتًا، صار البيت سكنًا حقيقيًا، لا مجرد مأوى.

وإذا سرت في مؤسسة، تحولت الوظيفة إلى أمانة، لا وسيلة استغلال.

وإذا قامت عليها دولة، أصبح العدل ثقافةً لا استثناء.

كم من بيوتٍ انهارت، لا لأن الريح كانت عاتية، بل لأن الأساس كان هشًّا.

وكم من مجتمعاتٍ تفككت، لا لقلة الموارد، بل لغياب الضمير.

فالانهيار يبدأ حين تُستبدل التقوى بالمصلحة، ويُقدَّم الهوى على المبدأ، ويُزيَّن الباطل بثوب الحق.

بين البناء الظاهري والبناء الحقيقي

قد تُشيَّد الأبراج في سنوات، لكن بناء الإنسان يحتاج إلى عقود من التربية.

وقد تُكتب القوانين في أيام، لكن ترسيخ القيم يحتاج إلى أجيال.

إن أعظم ما تحتاجه مجتمعاتنا اليوم — وهي تواجه التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية — ليس فقط إعادة إعمار الحجر، بل إعادة إعمار الضمير.

فالأوطان لا تُبنى بالخرسانة وحدها، بل تُبنى بالصدق، والأمانة، والخوف من الله في السر والعلن.

رسالة إلى كل بانٍ

إلى ربِّ أسرة…

إلى معلم…

إلى مسؤول…

إلى كل من يضع لبنةً في جدار هذا المجتمع:

تذكّر أن ما يُؤسَّس على التقوى يبقى، وإن قلّ.

وأن ما يُبنى على غيرها ينهار، وإن عَلا.

فاجعل نيتك صادقة، وميزانك عادلًا، وخطوتك محسوبة أمام الله قبل الناس.

عندها فقط، نستطيع أن نقول: هذا بيتٌ أُسِّس على التقوى… وهذا وطنٌ يستحق أن يقوم فيه أهله مطمئنين.

اللهم ارزقنا صدق الأساس قبل جمال البنيان، وثبات القيم قبل زخرف العناوين.

‫شاهد أيضًا‬

ضيق الأفق أم ضعف الإرادة؟

من ملفٍ مُجمّد… إلى دولةٍ تُجمّد نفسها > “ليست كل الانقسامات تبدأ بالسلاح…بعضها يبدأ بم…