‫الرئيسية‬ مقالات رؤية استراتيجية للنهضة السودانية  الحلقة الثانية: العدالة وسيادة القانون 
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

رؤية استراتيجية للنهضة السودانية  الحلقة الثانية: العدالة وسيادة القانون 

نقطةإرتكاز  د.جادالله فضل المولي 

في سياق النهضة السودانية، تبرز قضية العدالة وسيادة القانون كأحد الأعمدة الجوهرية التي لا يمكن لأي مشروع وطني أن ينهض دونها. فسيادة القانون ليست مجرد شعار يُرفع أو نصوص تُكتب في الدساتير، بل هي ممارسة يومية تُترجم في حياة المواطن، وتُجسد في مؤسسات الدولة، وتُعبر عن احترام الحقوق والواجبات على حد سواء. إن الاستقرار السياسي والاجتماعي لا يتحقق إلا حين يشعر المواطن أن القانون هو المرجع الأعلى، وأنه لا يُطبق بانتقائية أو يخضع لمزاج السلطة، بل يُطبق بعدالة على الجميع دون استثناء، فيغدو القانون مظلة جامعة تحمي المجتمع من الفوضى وتؤسس لثقة متبادلة بين الدولة والمواطنين.

 

ومكافحة الفساد تمثل الوجه الآخر لسيادة القانون، إذ لا يمكن الحديث عن عدالة حقيقية في ظل منظومة ينهشها الفساد ويقوضها غياب الشفافية. الفساد ليس مجرد اختلاس للأموال العامة، بل هو تعطيل لمسار التنمية، وإهدار لفرص الأجيال، وتشويه لصورة الدولة أمام مواطنيها والعالم. لذلك فإن بناء مؤسسات رقابية قوية، وتفعيل آليات المحاسبة، وضمان حرية الإعلام في كشف الحقائق، كلها خطوات لا غنى عنها في معركة استعادة الثقة. الشفافية هنا ليست ترفاً سياسياً، بل هي شرط أساسي لإعادة بناء العقد الاجتماعي، حيث يعرف المواطن كيف تُدار موارده، وكيف تُتخذ القرارات، وكيف تُصرف الأموال العامة، فيشعر أنه شريك لا مجرد متفرج.

 

أما استقلال القضاء فهو حجر الزاوية في أي مشروع نهضوي. فالقضاء المستقل هو الضامن الحقيقي للحقوق والحريات، وهو الحصن الذي يلجأ إليه المواطن حين تُنتهك حقوقه أو يُظلم في أي موقع. استقلال القضاء لا يعني فقط تحرره من تدخل السلطة التنفيذية، بل يعني أيضاً توفير بيئة مؤسسية تُمكّن القضاة من أداء واجبهم بكفاءة ونزاهة، وتُحصّنهم ضد الضغوط السياسية والاقتصادية. إن العدالة التي تُطبق في المحاكم هي انعكاس مباشر لمدى احترام الدولة لمواطنيها، وهي معيار يُقاس به مدى تقدم الأمم وتحضرها. فحين يشعر المواطن أن قضيته تُنظر بإنصاف، وأن الحكم يُصدر وفق القانون لا وفق المصالح، حينها فقط يمكن أن نتحدث عن مجتمع يسير نحو النهضة بثقة واطمئنان.

 

إن النهضة السودانية لن تكون مجرد مشروع اقتصادي أو سياسي، بل هي مشروع حضاري شامل، يقوم على إعادة بناء منظومة القيم والمؤسسات. العدالة وسيادة القانون ليست مجرد فصل في هذا المشروع، بل هي الإطار الذي يحدد مساره ويضمن استدامته. فبغير عدالة، يصبح الاستقرار هشاً، وبغير شفافية، يصبح الإصلاح ناقصاً، وبغير استقلال القضاء، تصبح الحقوق مجرد شعارات. لذلك فإن الحلقة الثانية من الرؤية الاستراتيجية للنهضة السودانية تؤكد أن العدالة ليست مطلباً نخبوياً، بل هي حاجة شعبية، وأن سيادة القانون ليست مجرد نصوص، بل هي حياة يومية، وأن مكافحة الفساد ليست معركة عابرة، بل هي مسار طويل يتطلب إرادة جماعية، وأن استقلال القضاء ليس امتيازاً، بل هو حق أصيل لكل مواطن.

 

بهذا المعنى، فإن بناء سودان جديد يتطلب أن نضع العدالة وسيادة القانون في قلب المشروع الوطني، وأن ندرك أن النهضة لا تُقاس فقط بمعدلات النمو الاقتصادي، بل تُقاس أولاً بمدى احترام الإنسان وحقوقه، وبمدى قدرة الدولة على أن تكون عادلة وشفافة ومنصفة. هذه هي القاعدة التي تُبنى عليها الأمم، وهذه هي الطريق الذي يجب أن يسلكه السودان إذا أراد أن ينهض بحق ويكتب فصلاً جديداً في تاريخه.

meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

رمضان شهر تجديد خلايا الجسم وعافية الجسد

المعلوم أن الغاية الأولى من الصيام التقوى كما ورد في آية الصيام، ومعلوم أن العبادات كلها ذ…