رمضان شهر تجديد خلايا الجسم وعافية الجسد
خواطر رمضانية (1447) 30/10 عادل عسوم

المعلوم أن الغاية الأولى من الصيام التقوى كما ورد في آية الصيام، ومعلوم أن العبادات كلها ذات فوائد جمة للمسلم، ومن ذلك أثر الصيام الكبير على صحة الجسم.
وقد ثبت أن الحيوانات والطيور وكذلك النباتات أيضا تصوم، ويسمى ذلك بالبيات الشتوي أو أسماء أخرى عند النبات والحشرات، وأى إنسان أو حيوان إذا لم يصم فإنه معرض للإصابة بأمراض مختلفة، قال طبيب العرب الحارث بن كلدة: (المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء)، ويقول Mac Fadon وهو من علماء الصحة الأمريكيين: (إن كل إنسان يحتاج إلى الصوم وإن لم يكن مريضاً، لأن سموم الأغذية تجتمع فى الجسم فتجعلـه كالمريض فتثقلـه ويقل نشاطه، فإذا صام خف وزنه وتحللت هذه السموم من جسمه وذهبت عنه حتى يصفو صفاءً تاماً ويسترد وزنه ويجدد خلاياه فى مدة لا تزيد على 20 يوماً بعد الإفطار، لكنه يحس بنشاط وقوة لا عهد لـه بهما من قبل).
والصوم كان ولم يزل مثارا لاهتمام الأطباء وعلماء الصحة منذ عقود طويلة، وقد كتب الطبيب السويسري بارسيلوس:
(ان فائدة الجوع في العلاج قد تفوق بمرات استخدام الادوية).
لقد بينت دراسة ألمانية ما يفعله الصيام في الجسم من أعاجيب، ولما له من تأثيرات إيجابية عديدة على صحة الإنسان، كشفت الدراسة بأن (الصيام العلاجي) له تأثير إيجابي على صحة الإنسان، وثبت بأنه يقي الجسم من أمراض القلب والأوعية الدموية والتهاب المفاصل وأمراض الجهاز الهضمي.
وقام الباحثون في هذه الدراسة بملاحظة التأثيرات الصحية للصوم العلاجي على طريقة (بوخينغر)، تحت إشراف البروفيسورة (فراسنواز فيلهالمي دي توليدو) في عيادة (بوخينغر فيلهلمي) على ضفاف بحيرة كونستانس جنوبي ألمانيا، وبالتعاون مع (البروفيسور أندرياس ميكالسن) من مستشفى شاريتيه برلين الجامعي، حيث قام 1422 شخصا باتباع برنامج للصيام العلاجي لمدة سنة واحدة لفترات تتراوح بين 4 و 21 يوما، وقد نشرت نتائج الدراسة في مجلة (بلوس وان) العلمية الشهيرة.
وقام الباحثون بإجراء فحوصات الدم قبل نهاية فترة الصيام وأيضا بعدها، وبناءً على البيانات لاحظ العلماء انخفاضا كبيرا في الوزن ومحيط البطن وضغط الدم،
كما تبين أن الصيام ساهم في تعديل نسبة الدهون والغلوكوز في الدم. بينما انخفضت مستويات الجلوكوز في الدم؛ زادت في المقابل نسبة الأجسام الكيتونية، وأشارت الدراسة إلى أن الصيام عزز شعور الرفاهية العاطفية والجسدية لدى المشاركين، إذ أيد 93.2 بالمائة منهم فكرة الصيام لفترات طويلة، ومن بين 404 شخصا كان يعاني من صعوبات صحية كالتهاب المفاصل والكبد الدهني وارتفاع مستويات الدهون في الدم ومتلازمة التعب أفاد 341 منهم وجود تحسن، وذكر 93 بالمائة من المشاركين أنهم لا يشعرون بالجوع خلال فترة العلاج بطريقة بوخنغر للصيام،
وركزت الدراسة بشكل أساسي على آثار الصيام الجانبية إذ أبلغ واحد في المائة من كافة المشاركين عن مشاكل واجهتهم أثناء الصيام كاضطرابات النوم والصداع والتعب أو آلام أسفل الظهر في بعض الحالات، خاصة في الأيام الثلاثة الأولى.
وتعود طريقة بوخينغر التقليدية للطبيب الألماني أوتو بوخينغر (1878-1966). وتنص إرشاداته على تغيير النظام الغذائي وتعزيز طاقة التجدد في الجسم عبر تناول عصير الفواكه والحساء على أن لا تتجاوز السعرات الحرارية يوميا 200 إلى 250 سعرة حرارية، إضافة إلى شرب لترين من الماء على الأقل، ويتضمن برنامج الصيام نشاطات رياضية خفيفية في محيط طبيعي هادئ.
وعلى الرغم من ان الصيام العلاجي يختلف في بعض تفاصيله عن صيام المسلمين إلا إن المبدأ واحد وهو (تجويع) الجسم، وتسبب ذلك في الفوائد الكثيرة التي ذكرت اعلاه.
وهناك فائدة أخرى عظيمة جدا تنتج عن الصيام وتسمى الالتهام الذاتي Autos”
“Phagomai”
وهو عملية يقوم بها الجسم لإعادة استخدام أجزاء الخلايا القديمة والتالفة، الخلايا هي اللبنات الأساس لكل نسيج وعضو في الجسم، حيث تحتوي كل خلية على أجزاء متعددة تُحافظ على وظائفها، ومع مرور الوقت قد تُصبح هذه الأجزاء معيبة أو تتوقف عن العمل فتُصبح نفايات داخل الخلية السليمة، والالتهام الذاتي هو عملية إعادة تدوير تستغل موارد الطاقة الموجودة في الخلية على أكمل وجه، وتزداد هذه العملية نشاطاً عندما يحتاج الجسم إلى استغلال هذه الموارد لأن الخلايا لا تحصل عليها من مصدر خارجي، وتسمح عملية الالتهام الذاتي للجسم بتفكيك وإعادة استخدام أجزاء الخلايا القديمة مما يُحسّن كفاءة عمل الخلايا، إنها عملية (تنظيف) طبيعية تبدأ عندما تتعرض الخلايا للإجهاد أو نقص العناصر الغذائية بسبب الصيام، وقد اجريت تجارب عديد بخصوص الالتهام الذاتي في مستشفى كليفلاند الأمريكي، وثبت بأن عملية الالتهام الذاتي بمثابة آلية لمراقبة جودة الخلايا، فوجود كميات كبيرة من المكونات غير المرغوب فيها داخل الخلية يُشغل حيزًا كبيرًا، وقد يُبطئ أو يمنع الخلية من أداء وظائفها بشكل صحيح، فتعمل عملية الالتهام الذاتي على إعادة تجميع هذه المكونات غير المرغوب فيها وتحويلها إلى المكونات الخلوية الأساسية التي تحتاجها مما يُحسّن من أداء الخلايا، وتتغذى (الليزوزومات) على أجزاء الخلية غير المرغوب فيها، ثم تطلق الأجزاء القابلة لإعادة الاستخدام، تستخدم الخلايا هذه المواد الخام لتكوين أجزاء جديدة،
وتحدث عملية الالتهام الذاتي عندما تُحرم خلايا جسمك من العناصر الغذائية أو الأكسجين، أو إذا تعرضت للتلف بطريقة ما، وفي عملية الالتهام الذاتي تقوم الخلية أساساً بأكل نفسها للبقاء على قيد الحياة. والميزة الإضافية هي أن عملية البقاء هذه يمكن أن تؤدي إلى خلايا تعمل بكفاءة أكبر، وتشير الدراسات التي أُجريت على الحيوانات إلى أن عملية الالتهام الذاتي قد تبدأ بعد مرور 24 إلى 48 ساعة من الصيام، ويرتبط الالتهام الذاتي ارتباطا وثيقا بالسرطان، إذ يؤدي تراكم (النفايات) في الخلية إلى زيادة خطر حدوث أخطاء في المادة الوراثية أو الحمض النووي للخلية يمكن أن تؤدي الطفرات الجينية أو التغيرات في الحمض النووي للخلية إلى تكوين خلايا سرطانية،
ومع جمع العلماء للمزيد من الأدلة حول العلاقة بين الالتهام الذاتي والمرض، سيحصلون على فكرة أوضح عن كيفية لعب هذه العملية دورًا في العديد من الحالات الصحية والمرضية على المدى الطويل.
الصيام نعمة وهبة عظيمة من الله للمسلمين، إنه الخالق الذي خلق أجسادنا والأعلم بما ينفعها، وهو الرحيم بعباده، ومن يستقصي النصوص العديدة التي وردت للحث على الصيام يتبين بأن هذه العبادة لها من الاسرار الكثير، وسيبقى العلم يثبت كل يوم فوائد الصيام.
اللهم أعنا على الصيام وانفعنا به في ديننا ودنيانا، واجعلنا ممن تعتق رقابهم من النار يا حنان يامنان، انك ولي ذلك والقادر عليه.
وإلى اللقاء في خاطرة اليوم الحادي عشر ان شاء الله.
آمنت بالله.
adilassoom@gmail.com
ضيق الأفق أم ضعف الإرادة؟
من ملفٍ مُجمّد… إلى دولةٍ تُجمّد نفسها > “ليست كل الانقسامات تبدأ بالسلاح…بعضها يبدأ بم…





