رؤية استراتيجية للنهضة السودانية الحلقة الثالثة: الحوكمة والإدارة الرشيدة
نقطةإرتكاز د.جادالله فضل المولي

إن الحديث عن النهضة السودانية لا يمكن أن يكتمل دون التطرق إلى الحوكمة والإدارة الرشيدة، فهما الركيزة التي تحدد مسار الدولة وتوجه طاقاتها نحو البناء الحقيقي. الحوكمة ليست مجرد مصطلح أكاديمي أو شعار يُرفع في المؤتمرات، بل هي ممارسة عملية تعني أن يكون الشخص المناسب في المكان المناسب، وأن تُدار مؤسسات الدولة بكفاءة وشفافية، وأن يُنظر إلى موظف الدولة باعتباره حجر الأساس في منظومة الإصلاح لا مجرد أداة تنفيذية.
إن وضع الشخص المناسب في المكان المناسب هو أول خطوة في طريق الإصلاح، لأن الدولة التي تُدار بعقلية المحسوبية والولاءات الضيقة لا يمكن أن تنهض مهما امتلكت من موارد. فحين يُقصى الكفاءات ويُستبدل بها أصحاب الولاءات، يصبح القرار ضعيفاً، وتنهار المؤسسات، ويتحول العمل العام إلى ساحة لتبادل المصالح لا لخدمة الوطن. لذلك فإن النهضة السودانية تتطلب ثورة إدارية حقيقية، تُعيد الاعتبار للكفاءة والخبرة، وتضع معياراً واحداً للتعيين والترقية هو القدرة على الإنجاز والإخلاص للوطن.
أما إصلاح مؤسسات الدولة فهو معركة لا تقل أهمية عن أي إصلاح سياسي أو اقتصادي. فالمؤسسات هي العمود الفقري للدولة، وإذا كانت هذه المؤسسات مترهلة، غارقة في البيروقراطية، عاجزة عن تقديم الخدمة للمواطن، فإن أي مشروع نهضوي سيتحول إلى مجرد حلم بعيد المنال. الإصلاح هنا يعني إعادة هيكلة المؤسسات، وتحديث أنظمتها، وتبسيط إجراءاتها، وتحريرها من الفساد والشللية، بحيث تصبح مؤسسات الدولة قادرة على الاستجابة لمتطلبات العصر، وعلى خدمة المواطن بكفاءة وسرعة وعدالة.
ولا يمكن الحديث عن الحوكمة دون التطرق إلى موظف الدولة، ذلك الجندي المجهول الذي يقف خلف كل معاملة وكل خدمة وكل قرار. الاهتمام بموظف الدولة ليس منّة ولا ترفاً، بل هو ضرورة وطنية، لأن الموظف الذي يُهمل ويُحبط ويُترك بلا تدريب ولا تحفيز، سيتحول إلى عبء على المؤسسة بدلاً من أن يكون رافعة لها. لذلك فإن تطوير الكفاءات، وتوفير بيئة عمل عادلة ومحفزة، وضمان حقوق الموظف، كلها خطوات أساسية في بناء جهاز إداري قادر على قيادة النهضة. الموظف الذي يشعر بالكرامة والعدالة والاحترام سيُبدع ويُخلص، أما الموظف الذي يُهان ويُهمش فلن يقدم للوطن سوى المزيد من التعطيل.
إن الحوكمة والإدارة الرشيدة ليست مجرد فصل ثالث في رؤية النهضة السودانية، بل هي قلب المشروع كله، لأنها تحدد كيف تُدار الدولة وكيف تُستثمر مواردها وكيف تُبنى مؤسساتها. فإذا نجح السودان في أن يضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وأن يُصلح مؤسساته، وأن يهتم بموظفيه، فإنه سيضع قدميه على الطريق الصحيح نحو نهضة حقيقية. أما إذا استمر في الدوران داخل حلقة الفساد والمحسوبية والبيروقراطية، فإن أي حديث عن النهضة سيظل مجرد شعارات فارغة.
النهضة السودانية تحتاج إلى إدارة صارمة، إلى حوكمة شفافة، إلى مؤسسات قوية، وإلى موظفين مؤهلين. هذه ليست رفاهية، بل هي شرط وجود، لأن الدولة التي لا تُدار برشد وعدالة وكفاءة لا يمكن أن تصمد أمام تحديات العصر. لذلك فإن الحلقة الثالثة من هذه الرؤية الاستراتيجية تأتي لتؤكد أن النهضة ليست مجرد حلم، بل هي مشروع يحتاج إلى إدارة واعية، وإلى حوكمة حقيقية، وإلى إرادة سياسية لا تساوم على الكفاءة ولا تتهاون في الإصلاح.
السودان أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يبني دولة حديثة تُدار بالحوكمة والإدارة الرشيدة، وإما أن يبقى أسيراً للفوضى والفساد والتخلف.والنهضة لاتنتظر المترددين بل تحتاج إلى قرارات جريئة، وإلى ثورة إدارية تعيد للدولة هيبتها، وللمواطن ثقته، وللوطن مكانته بين الأمم.
meehad74@gmail.com
هدنة بولس في السودان ونار ترامب في إيران
يظل كبير مستشاري الرئيس الأمريكي مسعد بولس يتحدث بتكرار ممل عن ضرورة فرض هدنة إنسانية في …





