‫الرئيسية‬ مقالات تفكيك أسطورة الاستهلاك المزمن [التخلف الاقتصادي]
مقالات - ‫‫‫‏‫9 ساعات مضت‬

تفكيك أسطورة الاستهلاك المزمن [التخلف الاقتصادي]

ما وراء البحار  بقلم: عباس حمدون 

١-٣-٢٠٢٦

تلاحق لعنة الراتب الثابت كثيراً من الموظفين، فتزجّ بهم في صراع شهري متكرر بين الدخل المحدود والمصروفات الضرورية. ما أن يُودع الراتب في الحساب حتى تبدأ معركة توزيعه على السكن والطعام والمواصلات والتزامات أخرى متراكمة وديون سبقت لحظة استلامه. ومع كل صرفة شهرية يتبدّد الأمل في الادخار، ويغدو التفكير في الاستثمار أو الاستقلال المالي. هكذا تتشكل دائرة اقتصادية مغلقة تُستنزف فيها الطاقة الذهنية كما يُستنزف الدخل.

لا تكمن المشكلة في الراتب ذاته بقدر ما تكمن في نموذج التفكيرالذي يحكم التعامل معه. حين يُختزل الأمان الاقتصادي في انتظار الدخل الشهري، تتضاءل روح المبادرة، و يترسخ الخوف من التجربة. يرسل العقل الباطن إشارات تحذيرية من أي مغامرة خارج العمل. لذا، يفضل الشخص البقاء في وظيفته الحالية، كأنها منطقة مألوفة بالنسبة له، وإن كانت مُقيدة. ومع مرور السنوات يتحول هذا القيد إلى نمط حياة، ويصبح الاعتياد أقوى من الطموح.

إذا أردت أن تقيس موقعك في سلّم الاستقرار الاقتصادي، فانظر إلى طبيعة صراعك اليومي.. إن كان جلّ همّك ينحصر في تأمين الأساسيات، فأنت ما زلت في الحد الأدنى من معادلة العيش الكريم. وهذا الإدراك لا ينبغي أن يكون مدعاة للإحباط، بل حافزاً لتحريك الفكر، وتنقيب الإمكانات من منجم العقل، وخوض معارك التجربة من أجل بناء رؤية اقتصادية تتجاوز الاستهلاك إلى الإنتاج. والتجربة حتى إن قادت إلى فشل، ليست نهاية الطريق، بل أول دروسه.

كثير من الموظفين يُرجعون ضيقهم المالي إلى تدني الراتب وحده، فيُلقون باللوم على الإدارة أو المؤسسة، بينما يغيب السؤال الأهم: ماذا فعلت لتوسيع مصادر دخلك؟ المفارقة أن أكثرهم تذمراً قد يكون الأطول بقاء في الوظيفة ذاتها، دون محاولة جادة لكسر الحلقة.

أما من يكفيه راتبه لتغطية نفقاته، فهو يعيش أماناً نسبياً في الحاضر، لكنه قد يواجه صعوبات اقتصادية في المستقبل إن لم يُحسن ادخار جزءاً من الراتب. الدخل الذي لا يُستثمر يذبل مع الزمن، مهما بلغ حجمه. شهدنا حالات لنجوم كرة القدم لعبوا في أندية عريقة مثل برشلونة وريال مدريد وحتى على مستوى الأندية الوطنية ، كانوا يتقاضون رواتب هائلة خلال مسيرتهم، لكن سوء الإدارة المالية بعد الاعتزال أوقع بعضهم في أزمات اقتصادية خانقة. لم تكن المشكلة في وفرة المال، بل في غياب ثقافة الاستثمار والانضباط المالي.

الأمر ذاته ينطبق على من يرث ثروة دون خبرة في إدارتها، فالإسراف واتباع أنماط استهلاكية مترفة قد يبددان أموالاً طائلة في سنوات قليلة، ليتحوّل الثروة المالية إلى ديون ومنها إلى عبء يهدد الاستقرار المعيشي. المال غير المُدار بحكمة يفقد قيمته، والإنفاق غير المنضبط يُنتج تبعية جديدة، قد تكون أقسى من فقر البداية.

أسطورة الاستهلاك المزمن يبدأ بتحول في الوعي ومن عقلية انتظار الراتب إلى عقلية بناء الأصول، ومن ثقافة الإنفاق إلى ثقافة الاستثمار. لا يعني ذلك ترك الوظيفة، بل إعادة تعريفها لتكون مصدراً من مصادر الدخل لا المصدر الوحيد. فالموظف الذي يطوّر مهاراته، وينوّع موارده، ويستثمر جزءاً من دخله بوعي ورشد، هو الأقدر على تأمين مستقبله، والأكثر استعداداً لأي تحوّل مفاجئ في مساره الوظيفي.

 

أما أصحاب الأعمال الحرفية، ففي كثير من الأحيان يرون أن تساوي الدخل اليومي مع المصروفات الضرورية يمثل حالة من التوازن المعيشي، أو ما يُعرف عندهم بثقافة [رزق اليوم باليوم]. فإذا انتهى اليوم وقد غطى دخله احتياجاته الأساسية، اعتبر ذلك نجاحاً كافياً، غير أن هذا النجاح المؤقت لا يبدد القلق من الغد. فهم يدركون أن أي مرض طارئ أو مكروه مفاجئ قد يُدخلهم في دوامة تكاليف علاج أو التزامات مالية جديدة تتجاوز قدرتهم.

هذه الهشاشة الاقتصادية، إن لم تُواجَه بتطوير العمل أو دعمه بالتعليم والتأهيل المهني، قد تقود إلى فقر مزمن. فغياب الادخار أو الاستثمار يجعل صاحب العمل الحرفي عرضة لأي صدمة مالية، كأن يفقد القدرة على العمل أياماً أو أسابيع، فيتوقف الدخل تماماً. ويمكن وصف هذه الحالة بـ[نقص المناعة الاقتصادية]، حيث يفتقر الفرد إلى الاحتياطي المالي الذي يحميه عند الأزمات.

ومع ذلك، فإن الحل لا يرتبط دوماً بزيادة ساعات العمل، بل بإعادة توجيه السلوك المالي. فقد يمتنع العامل عن بعض الكماليات أو يقلّص من بند استهلاكي متكرر، فيحوّل قيمته إلى ادخار منتظم. بل إن فكرة بسيطة قد تُحدث تحولاً جذرياً في المسار الاقتصادي. ومن الأمثلة الدالة على ذلك عامل بناء كان يتقاضى أجراً يومياً، وكانت وجبة الإفطار تُقدَّم له من المقاول خارج إطار أجرته اليومية. اقترح على نفسه أن يصوم الاثنين والخميس من كل أسبوع، بنية التطوع حتى يستفيد من ثوابها في الآخرة، ويوفر قيمة تلك الوجبة ويدّخرها في الدنيا [فكرة من نوع أبو كديس] وبعد عامين تقريباً، جمع ما يعادل قيمة نحو مئتي وجبة، فاشترى بهذا المبلغ أربع عربات يدوية [درداقات]، وبدأ يؤجرها للمقاولين، بعدما لاحظ من خلال عمله حاجة السوق الدائمة إلى أدوات البناء. ومع مرور الوقت، توسعت فكرته، حتى أصبح يمتلك محلاً معروفاً لتأجير معدات البناء، وانتقل من دائرة رزق اليوم باليوم إلى دائرة امتلاك رأس المال. لقد جمع بين مفهوم الاقتصاد العملي والعقل الاستثماري، فحوّل عادة بسيطة إلى أصل منتج.

 

أما أصحاب المهن الذين يعملون باستقلالية، كالمهندسين والمحامين والصحفيين في مكاتبهم الخاصة، و الأطباء في عياداتهم وغيرهم من أصحاب المهن.. فهم وإن بدوا أكثر استقراراً اقتصادياً، إلا أنهم يواجهون تحدياً مشابهاً مثل أصحاب الأعمال الحرفية، فدخلهم غالباً ما يكون غير منتظم، ويأتي في صورة صفقات أو حالات موسمية. وهم يوزعون عائداتهم بين مصروفاتهم المعيشية وتكاليف تشغيل مكاتبهم، من إيجارات ورواتب ومستلزمات. وفي حال حدوث تعثر مفاجئ في الدخل، قد يجدون أنفسهم أمام أعباء تضغط على احتياجاتهم الثانوية، وربما الضرورية، وقد تقودهم إلى دائرة الديون.

صحيح أن بعض الصفقات المجزية قد تغطي نفقاتهم لفترة وتترك فائضاً صالحاً للادخار، غير أن غياب التخطيط قد يؤدي إلى استهلاك هذا الفائض في نفقات غير ضرورية. ومن هنا تبرز أهمية تبني الاقتصاد الرشيد، بأن يُخصص جزء ثابت من العائدات لتكوين رأس مال احتياطي، يُستثمر في مشروع موازي يخفف من تقلبات المهنة الأساسية.

إن الامتناع عن بعض الكماليات المتكررة، أو تقليص بنود استهلاكية بسيطة في المنظومة اليومية، قد يراكم مع الزمن مبلغاً مدخراً يُستثمر في مشروع احتياطي مدروس. المهم أن يكون الادخار منهجياً، وأن تُحدد له مدة زمنية واضحة، يعقبها تقييم ودراسة جدوى لأي فرصة استثمارية مناسبة.

يثبت الواقع أن من لا يملك رأس مال أو استثماراً احتياطياً يظل عرضة لمشكلات اقتصادية متوقعة، مهما كان دخله الحالي. فالأمان الحقيقي لا يتحقق بالدخل وحده، بل بوجود أصول تُدر عائداً وتحمي من تقلبات الحياة. لذا، فإن استعمال العقل الرشيد، وتبني فلسفة اقتصادية واعية، والاستعداد للتغيير والتجربة، هي مفاتيح الانتقال من هشاشة رزق اليوم باليوم إلى صلابة الاستقلال المالي.

‫شاهد أيضًا‬

تعيين مدير عام جديد لمستشفى أحمد قاسم للأطفال

أصدر الدكتور أحمد البشير مدير الإدارة العامة للطب العلاجي بوزارة الصحة ولاية الخرطوم، القر…