“حرب لا تريد أن تنتهي… وسلام لا يجرؤ أن يولد”
إتجاه البوصلة بقلم / الجزولي هاشم

في الشرق الأوسط لا تبدأ الحروب بإعلان رسمي، ولا تنتهي باتفاق واضح. إنها تشبه الزلازل البطيئة؛ تهتز الأرض دون أن ينهار العالم، لكن الجميع يشعر بأن شيئاً عميقاً يتغيّر تحت الأقدام.
ما يجري اليوم بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وإيران ليس حرباً تقليدية تبحث عن نصر نهائي، بل صراع إرادات حول من يكتب شكل الشرق الأوسط القادم.
هذه ليست معركة حدود… بل معركة نفوذ وهوية وموازين قوة.
إيران تقاتل لتقول إنها قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها.
إسرائيل تقاتل لأنها ترى في المشروع الإيراني تهديداً وجودياً دائماً.
أما أمريكا فلا تبحث عن حرب شاملة، بل عن شرق أوسط مضبوط الإيقاع لا يخرج عن هندستها الإستراتيجية.
ولهذا السبب تحديداً… لن تتوقف الحرب.
لكن المفارقة الأكبر أن أحداً أيضاً لا يريدها أن تكبر.
فالكل يطلق النار، لكن الجميع يحسب تكلفة الرصاصة الأخيرة.
ما نراه اليوم هو حرب بلا جيوش تتحرك رسمياً، وحرب بلا إعلان تعبئة عامة. ضربات محسوبة، رسائل ردع، عمليات محدودة، وتصعيد إعلامي أكبر من حجم الانفجار الحقيقي. إنها حرب الظل؛ حرب تُدار بالعقل البارد لا بالغضب الساخن.
لقد دخلت المنطقة مرحلة يمكن وصفها بـ السلام المسلح؛ حيث لا يوجد سلام حقيقي، ولا حرب شاملة، بل توتر دائم يُبقي الجميع في حالة استعداد نفسي وعسكري مستمر.
الأخطر أن ساحات الصراع لم تعد محصورة بين العواصم الكبرى، بل تمتد فوق أراضي دول المنطقة، فتتحول الجغرافيا العربية إلى مسرح رسائل متبادلة لا إلى طرف في القرار.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: متى تنتهي الحرب؟
بل: هل صُممت أصلاً لكي تنتهي؟
وأما عن السودان، قد يبدو للوهلة الأولى أن السودان بعيد عن خط النار بين واشنطن وتل أبيب وطهران، لكن السياسة الدولية لا تعترف بالمسافات الجغرافية، بل بخطوط التأثير.
السودان اليوم يقف داخل منطقة حساسة من التوازنات الإقليمية، لأن البحر الأحمر أصبح أحد أهم مسارح الصراع العالمي. وكل توتر بين القوى الكبرى يعيد رسم الحسابات الأمنية والاقتصادية حوله.
إن استمرار المواجهة بين هذه القوى يعني عملياً:
أولاً: تصاعد التنافس الدولي حول البحر الأحمر، وهو ما يجعل السودان ساحة اهتمام دولي متزايد، لا بسبب أزمته الداخلية فقط، بل بسبب موقعه الإستراتيجي.
ثانياً: تراجع أولوية الملف السوداني في الأجندة الدولية. فعندما تشتعل بؤر التوتر الكبرى، تتحول بعض الأزمات إلى ملفات مؤجلة.
ثالثاً: ارتفاع مخاطر توظيف الصراعات الإقليمية داخل الساحة السودانية عبر الاستقطاب السياسي أو الدعم غير المباشر للصراع، لأن الدول الكبرى تبحث دائماً عن موطئ نفوذ في لحظات التحول الدولي.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
فالسودان لا يتأثر فقط بما يجري داخله، بل بما يجري فوق خريطة العالم. وكلما طال أمد الصراع الأمريكي ـ الإسرائيلي ـ الإيراني، ازدادت احتمالات أن تتحول الدول الهشة إلى مناطق تنافس غير معلن.
في زمن التحولات الكبرى لا تنجو الدول بالشعارات، بل بوحدة الإرادة الوطنية.
إن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس فقط تعقيدات السياسة الدولية، بل خطر التصدع الداخلي الذي يفتح الأبواب لتدخلات الخارج. فالدول المنقسمة تصبح ساحات، بينما الدول المتماسكة تتحول إلى أوطان محصّنة.
ومن هنا يصبح أن التماسك الداخلي لم يعد خيراً سياسياً… بل شرط بقاء الدولة نفسها.
الوقوف خلف مؤسسات الدولة الوطنية، وفي مقدمتها القوات المسلحة السودانية، يمثل اليوم نقطة الارتكاز الأساسية لحماية السيادة ومنع انزلاق السودان إلى مربع الفوضى الإقليمية.
فالجيوش الوطنية في لحظات الخطر ليست طرفاً سياسياً، بل صمام أمان الدولة، وحارس وحدة التراب الوطني، وسياج الإرادة السودانية في مواجهة مشاريع التفكيك والانهيار.
إن معركة السودان الحقيقية ليست فقط معركة ميدان، بل معركة إرادة وطنية؛ إرادة تنتصر لوحدة الشعب، لهيبة الدولة، ولمستقبل الاستقرار.
وحين تتوحد الجبهة الداخلية، يصبح السلام ممكناً، ويصبح النصر نتيجة طبيعية لا شعاراً عاطفياً.
البوصلة تشير بوضوح:
العالم يدخل مرحلة صراع طويل منخفض الشدة، والسودان أمام خيار تاريخي؛
إما أن يكون دولة متماسكة تحمي سيادتها وتفرض استقرارها،
أو مساحة مفتوحة تُدار فوقها حسابات الآخرين.
إنها حرب بعيدة جغرافياً… لكنها امتحان مباشر لإرادة السودانيين.
وفي زمن العواصف الدولية، لا ينتصر الأقوى سلاحاً فقط…
بل الأكثر تماسكاً خلف وطنه وجيشه وسيادته.
ودارت الكأس المُر..!!
احتجت وأستنكرت سلطات الإمارات ألا تشملها (إدانة) السودان للهجمات الإيرانية علي الدول العرب…





