‫الرئيسية‬ مقالات من إيران إلى السودان … أما بعد 
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

من إيران إلى السودان … أما بعد 

أصل_القضية من سلسلة الجسر والمورد  محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

التاريخ لا يسير في خطوط مستقيمة… بل في دوائر من الدروس التي لا يتعلمها الجميع في الوقت نفسه.

فكم من قوةٍ ظنت أنها حين تُسقط رجلاً تكون قد أسقطت الفكرة،

وكم من قرارٍ سياسي اتُّخذ بثقة الإمبراطوريات…

ليكتشف العالم لاحقاً أنه كان بداية قصة جديدة لا نهايتها.

المشكلة ليست في قوة الدول الكبرى،

بل في وهمٍ قديم يتكرر في كل عصر:

وهم القدرة على هندسة المجتمعات بقرارات فوقية.

لكن المجتمعات ليست معادلات جامدة،

ولا الأفكار كيانات يمكن اغتيالها.

ولهذا، كلما ظن العالم أن صفحة قد طويت…

يظهر جيل جديد ليكتب فصلاً آخر من القضية

ومن هنا تبدأ #أصل_القضية

 

في أواخر ستينيات القرن الماضي، حين سقط نظام الشاه في إيران واندلعت الثورة الإسلامية، لم تكن تلك لحظة سياسية عابرة في تاريخ دولة بعينها.

كانت – في جوهرها – لحظة تاريخية أعادت تعريف العلاقة بين الدين والسياسة والهوية في الشرق الأوسط.

فالعالم آنذاك قرأ الحدث الإيراني باعتباره مجرد انقلاب على نظام ملكي.

لكن ما لم يدركه كثيرون أن تلك اللحظة أطلقت موجة فكرية وسياسية امتدت آثارها إلى معظم الإقليم.

الدرس الأهم في تلك التجربة لم يكن في سقوط النظام القديم، بل في قدرة الثورات – حين تتعرض للضغط – على إعادة إنتاج قيادات جديدة أكثر صلابة وأشد مرونة في آن واحد.

فالتاريخ يخبرنا أن محاولة كسر الحركات الكبرى كثيراً ما تنتهي بإعادة تشكيلها.

حين تُستهدف القيادة…

يولد جيل جديد من القادة.

وهنا تكمن المفارقة التي كثيراً ما تخطئ القوى الدولية في تقديرها.

السياسة ليست معادلة حسابية يمكن حلها بخوارزمية.

وليست نظاماً يمكن التنبؤ بمآلاته عبر نماذج جامدة.

ففي عالم المجتمعات الحية، قد يؤدي الضغط إلى الانفجار…

وقد يؤدي إلى التجدد.

ولهذا تبدو بعض القرارات الدولية – أحياناً – أقرب إلى سوء تقدير استراتيجي منها إلى تخطيط محكم.

حين تُصنّف قوى سياسية أو اجتماعية واسعة داخل المجتمعات باعتبارها “مشكلة أمنية”، فإن النتيجة غالباً لا تكون إنهاء الظاهرة، بل إعادة تشكيلها في صورة جديدة.

والتاريخ الحديث في الشرق الأوسط مليء بالأمثلة على ذلك.

فالقوة الناعمة للأفكار لا تُهزم بالتصنيف.

والتيارات الاجتماعية لا تختفي بالقرارات.

بل تتغير…

وتتكيف…

وتعيد تنظيم نفسها.

ولهذا فإن النقاش الحقيقي في منطقتنا لا ينبغي أن يظل أسير ردود الأفعال، بل يجب أن ينتقل إلى سؤال أعمق:

كيف تُدار لحظات التحول الكبرى داخل الدول؟

وهنا نصل إلى السودان.

فالسودان اليوم يقف على مفترق طرق تاريخي لا يقل تعقيداً عن كثير من لحظات التحول في المنطقة.

حرب أنهكت الدولة.

مجتمع يبحث عن الاستقرار.

وسياسة تحتاج إلى إعادة تعريف أدواتها.

لكن وسط هذا المشهد المضطرب يبرز سؤال جوهري:

من سيكتب الفصل القادم من تاريخ السودان؟

هل ستظل البلاد تدور داخل الحلقة المغلقة للنخب التقليدية؟

أم أن اللحظة التاريخية قد تفتح الباب لجيل جديد من القيادة؟

إن أحد أهم الدروس التي تقدمها تجارب التحول الكبرى في العالم هو أن الأزمات – رغم قسوتها – كثيراً ما تخلق فرصاً غير متوقعة لإعادة بناء النظام السياسي على أسس جديدة.

ولعل واحدة من تلك الفرص تتمثل في إعادة التفكير في بنية التمثيل السياسي نفسها.

فالدول التي نجحت في عبور لحظات التحول الكبرى لم تفعل ذلك عبر إعادة تدوير النخب القديمة فقط، بل عبر إدماج أجيال جديدة في عملية صناعة القرار.

جيل يمتلك طاقة مختلفة.

وأدوات تفكير جديدة.

ورؤية أقل أسراً لصراعات الماضي.

وفي السودان تحديداً، يشكل الشباب الكتلة الاجتماعية الأكبر والأكثر حيوية.

لكن الفارق الثابت في السياسة السودانية ظل دائماً حول أن الفئة الأكثر حضوراً في المجتمع هي الأقل حضوراً في مؤسسات القرار.

وهنا قد تفتح الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد نافذة نادرة.

نافذة تسمح بإعادة بناء التمثيل السياسي بطريقة مختلفة.

ففكرة تشكيل برلمان معين – في مثل هذه الظروف – لا ينبغي أن تُفهم فقط كإجراء إداري مؤقت، بل يمكن أن تتحول إلى فرصة تاريخية لتمكين جيل جديد من المشاركة في صناعة المستقبل.

جيل شاب…

أكثر مرونة.

أكثر اتصالاً بالعالم.

وأقل انخراطاً في صراعات الاستقطاب القديمة.

ليس المطلوب أن يكون هذا الجيل بديلاً عن الخبرة، بل شريكاً فيها.

فالتجارب الناجحة في بناء الدول لا تقوم على صراع الأجيال، بل على تفاعلها.

خبرة الكبار…

وطاقة الشباب.

وفي هذا التوازن تولد الدول القادرة على التجدد.

إن السودان – بحكم موقعه وتاريخه وتركيبته الاجتماعية – ليس بلداً عادياً في معادلات الإقليم.

إنه، كما تصفه رؤية الجسر والمورد، دولة تمتلك إمكانية أن تكون جسراً بين العوالم المختلفة…

ومورداً للفرص لا ساحة للصراعات.

لكن تحقيق هذه الإمكانية يتطلب شيئاً واحداً قبل كل شيء:

الإيمان بأن المستقبل لا يمكن أن يُبنى بأدوات الماضي وحدها.

فالدول التي تنجح في لحظات التحول هي تلك التي تمتلك الشجاعة لفتح الباب أمام أجيال جديدة من القيادة.

والسودان اليوم قد يكون أمام واحدة من تلك اللحظات النادرة في تاريخه.

لحظة يمكن أن تتحول فيها الأزمة…

إلى بداية.

بداية جيل جديد من السياسة.

وجيل جديد من القيادة.

وجيل جديد من السودان.

وهذا هو #أصل_القضية

‫شاهد أيضًا‬

فى يوم المرأة العالمى ( التعليم طريق النجاة )

في كل عام يحتفل العالم بـ اليوم العالمي للمرأة بوصفه مناسبة لتجديد العهد بقضايا المرأة وحق…