الحرب والسلام (3_10)
حسن النخلي يكتب: التحليق وسط الزحام

مراحل الدوامة: من التغافل إلى التيار الجارف
بعد أن عرفنا أن الحرب طارئ يُسقى، وأن الأصل هو التعايش، يبقى السؤال: كيف ينبت هذا الطارئ ويتحول إلى دوامة تبتلع الجميع؟ الحرب لا تأتي دفعة واحدة. لها مراحل، ولكل مرحلة لثامها. من لا يرى اللثام في أوله، يغرق في التيار آخره.
_أولًا: مرحلة التغافل – تربة الدوامة_
تبدأ الدوامة حين نقول عن الظلم الصغير: “بتمشي”. حين نسكت عن النهب الصغير لأنه “بعيد عنا”. حين نبرر الكذبة الأولى لأنها “تخدمنا”. هذا هو التغافل.
التغافل هو تربة الحرب الخصبة. لا نحس به لأنه عادي، يومي، مبرر. “فلان أكل حق فلان، خليها مستورة”، “هذه القبيلة أخذت أكثر من حقها، ما وقته الكلام ده”، “الضابط ضرب الولد، يستاهل”.
كل تغافل هو بذرة. لا تقتل اليوم، لكنها تنبت شوكًا غدًا. والدوامة لا تحتاج إلا تربة صالحة. ونحن نسقيها كل يوم بصمتنا.
_ثانيًا: مرحلة اللثام – ماء الدوامة_
بعد التغافل، يأتي اللثام. وهو الكلام الذي يغطي العين. كلام “المرء” الذي لا صاحب له: “كلهم خونة”، “لا أمان لهم”، “لازم نحسمها”، “ديل ما ناسنا”.
اللثام هو الماء الذي يجعل بذور التغافل تنبت. هو النكتة التي تسخر من دم الضحية. هو الخبر الكاذب الذي تنقله وأنت تعلم أنه كاذب، لكنك تقول “يستاهلوا”. هو تبرير القتل لأنه “دفاع استباقي”.
في مرحلة اللثام، يتحول العدو من إنسان إلى صورة. يسهل قتله لأنك لم تعد ترى وجهه. يسهل نهبه لأنك لم تعد ترى بيته. اللثام يعفيك من وجع الضمير، ويسهل عليك أن تكون جزءًا من الدوامة وأنت تظن أنك خارجها.
_ثالثًا: مرحلة التوحش – غذاء الدوامة_
حين يشتد اللثام، تنكشف البندقية. ويظهر “اقتصاد الحرب”. يصير للقتل راتب، وللنهب سوق، وللسمسرة في الدم عمولة. هذا هو التوحش.
التوحش ليس لحظة جنون. هو نظام. له تجاره، وله سماسرته، وله أمراؤه. يخلق مصالحه: تاجر السلاح، ومهرب الذهب، وبائع الإغاثة، ومؤجر الكذب في المنابر. هؤلاء يصير بقاؤهم مرهونًا ببقاء الدوامة. فيطيلون عمرها.
في التوحش، يصبح “المفروض” مقلوبًا: القاتل بطل، والسارق شاطر، والكذاب وطني، والراعي المغفل. يصبح السؤال “من معك؟” أهم من “ماذا فعلت؟”.
_رابعًا: مرحلة التيار الجارف – مناخ الدوامة_
هذه هي المرحلة الأخيرة. حين تصير الدوامة أقوى من الجميع. حتى من أشعلها. لا أحد يستطيع إيقافها، لأن الكل صار داخلها. الخوف هو المناخ: “إن لم تقتل قُتلت”، “إن لم تنهب جعت”، “إن لم تكذب خسرت”.
في التيار الجارف، تنهار كل العقود: عقد الدولة، عقد القبيلة، عقد الجيرة. يصبح الإنسان وحيدًا رغم الزحام. يصبح القتل دفاعًا عن النفس حتى لو كنت البادئ. وتصير “الحقيقة” هي ما يقوله الأقوى.
هنا، يظن الناس أن الحرب هي “الأصل”. وينسون أنها بدأت بتغافل صغير، وكلمة بلا صاحب، ومصلحة تافهة.
_كيف نكسر الدوامة؟_
لا تُكسر الدوامة في مرحلة التيار الجارف. تُكسر في مرحلة التغافل. حين ترفض أن “تمشيها”. حين تسمي الظلم الصغير باسمه. حين توقف النكتة القاتلة في أولها. حين ترفض أن تكون تربة صالحة.
والدواء هو “الحزم”. أن تقرر أن تبني رغم الخوف. أن تطعم رغم الجوع. أن تقول الحقيقة رغم الخطر. أن تحمي جارك من “الجهة الأخرى”. هذا الحزم هو الذي يجفف تربة الدوامة، ويسمم ماءها، ويجوع وحشها.
فالحرب لا تبدأ بالرصاصة. تبدأ بالتغافل.
والسلام لا يبدأ بالتوقيع. يبدأ بالحزم.
يتبع.
حفظ الله البلاد والعباد.
جيش واحد شعب واحد.
ودمتم سالمين، وللوطني سلام.
الأربعاء/ 29/أبريل /2026
الاندومي وكارثة الكوارث
في اطار معمعة السلع المحظورة وقد امست حديث الساعة وإذ هي مابرحت بين تعديل وحذف وإضافة عبر…





