سقوط الكرسي… أم الخطأ
أصل_القضية من سلسلة الجسر والمورد محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

أخطر ما يمكن أن يحدث في حياة مجتمعٍ ما…
ليس أن يخطئ أصحاب السلطة.
فالسلطة في كل تاريخ البشر تخطئ.
لكن الخطر الحقيقي يبدأ
حين يتحول سقوط المسؤول إلى لحظة فرح جماعي
لا لأن الخطأ انتهى…
بل لأن صاحب الكرسي سقط.
هناك فرق كبير بين العدالة و التشفّي.
والأمم التي لا تميز بينهما
تدفع ثمناً باهظاً في استقرارها السياسي والاجتماعي.
بالأمس كتب الإعلامي القامة محمد حامد جمعة نوار ملاحظة دقيقة على حائطه في فيسبوك.
قال إنه لاحظ ظاهرة تكاد تتكرر في السودان عبر الحقب السياسية المختلفة:
كلما صدر قرار بإقالة مسؤول أو إعفائه من منصبه
تتدفق موجة واسعة من التعلقات التي تكاد تحمل نبرة ارتياح أو لذة خفية.
نادرًا ما يظهر التعاطف.
ونادرًا ما يظهر الحزن.
وكأن المجتمع لا يرى في المسؤول إنساناً يخطئ ويصيب…
بل يرى كرسياً يجب أن يسقط.
السؤال هنا ليس سياسياً فقط…
بل سؤال نفسي واجتماعي عميق.
لماذا تميل المجتمعات أحياناً إلى التلذذ بسقوط أصحاب السلطة؟
التاريخ يخبرنا أن هذه الظاهرة ليست سودانية خالصة.
في عصور كثيرة
كان سقوط الوزير أو القائد في بلاط السلطة لحظة احتفال غير معلن داخل المجتمع.
لكن الفرق أن الدول التي نضجت سياسياً
حوّلت هذه المشاعر إلى مؤسسات للمساءلة
بدلاً من تحويلها إلى مواسم للتشفي.
لأن الدولة لا تُدار بالمشاعر…
بل بالقواعد.
أما حين تتحول السياسة إلى مسرح يومي لسقوط الأشخاص
فإن المجتمع يدخل في حلقة خطيرة:
كل من يجلس على الكرسي يصبح هدفاً
وكل من يسقط يُترك وحيداً.
وهنا تتشكل ثقافة سيسية صامتة تقول:
لا أحد يبقى… ولا أحد يستحق البقاء.
في السودان، لهذه الظاهرة جذور عميقة.
عقود طويلة من الانقلابات السياسية
والإقالات المفاجئة
وتقلب الحكومات
خلقت شعوراً عاماً بعدم الاستقرار.
فأصبح الناس يتعاملون مع المسؤول كأنه عابر مؤقت
لا كجزء من نظام مؤسسي مستمر.
ولهذا حين يسقط…
لا يشعر المجتمع بأن شيئاً كبيراً حدث.
مجرد اسم خرج… واسم آخر سيدخل.
لكن الخطر الأكبر لا يكمن في هذا الجانب النفسي فقط.
الخطر يظهر عندما تصبح هذه القافة مادة للقراءة الجيوسياسية.
في عالم اليوم
لا تدرس القوى الدولية الدول فقط عبر جيوشها أو اقتصادها.
بل عبر ثقافتها السياسية الداخلية.
كيف ينظر المجتمع إلى السلطة؟
كيف يتعامل مع قادته؟
كيف يوازن بين النقد والإنصاف؟
لأن المجتمعات التي تفرح دائماً بسقوط المسؤولين
تعطي إشارة غير مباشرة للعالم تقول:
هذا النظام السياسي غير مستقر.
وفي الحسابات الدولية
عدم الاستقرار ليس مجرد مشكلة داخلية…
بل فرصة خارجية.
ولهذا كثيراً ما تبدأ التدخلات في الدول الهشة
ليس حين تنهار الجيوش…
بل حين ينهار الاحترام المتبادل داخل المجال العام.
وحين يصبح الكرسي في نظر المجتمع
ليس موقع خدمة عامة
بل موقعاً مؤقتاً للسقوط القادم.
السودان اليوم يقف عند لحظة تاريخية حساسة.
شعارات تسقط بس منذ ديسمبر ٢٠١٨م.. حرب منذ أبريل ٢٠٢٣م
أعادت تشكيل المجتمع والدولة معاً.
وفي مثل هذه اللحظات
لا تحتاج الدول فقط إلى إعادة بناء المدن…
بل إلى إعادة بناء الثقافة السياسية نفسها.
لأن الدولة التي يريد أهلها الإصلاح الحقيقي
لا يفرحون بسقوط الأشخاص…
بل يفرحون بانتصار القواعد.
والفرق بين الاثنين
هو الفرق بين مجتمعٍ يعيش في دوامة الأزمات
ومجتمعٍ يتعلم كيف يخرج منها.
لهذا ربما ينبغي أن نعيد طرح السؤال الذي بدأ به الإعلامي محمد حامد جمعة نوار ملاحظته:
هل نحن شعب يكره السلطة؟
أم أننا فقط
تعبنا من رؤية الكراسي تدور
دون أن يتغير شيء؟
قد يكون الجواب معقداً…
لكن الحقيقة البسيطة تظل واضحة:
الأوطان لا تستقر حين يسقط المسؤولون كل يوم…
بل حين يعرف الجميع أن الكرسي ليس غنيمة
وليس مشنقة.
إنه مسؤولية مؤقتة داخل دولة دائمة.
ولهذا نقولها بوضوح:
المجتمعات التي تتلذذ بسقوط الأشخاص
قد تكتشف متأخرة
أنها كانت تشارك – دون أن تدري –
في إضعاف الكرسي نفسه.
وحين يضعف الكرسي…
لا يبقى أحد في مأمن منه.
وهنا بالضبط
#أصل_القضية.
شجاعة البرهان في الميدان
هبطت مروحية الرئيس الفريق أول الركن عبدالفتاح البرهان اليوم في قرية “شكيري” ب…





