المجلس التشريعي السوداني بين ضرورة الاستقرار ومخاوف الإقصاء
خالد المصطفى

في خضم التحولات المصيرية التي تعيشها البلاد، عاد الجدل حول تشكيل المجلس التشريعي ليفرض نفسه على الساحة السياسية، ليس بوصفه استحقاقاً دستورياً فحسب، بل باعتباره اختباراً حقيقياً لقدرة القوى الوطنية على تجاوز خلافاتها والارتقاء إلى مستوى تطلعات شعب يدفع أثماناً باهظة. استطلاع الرأي العام الأخير الذي أجراه مركز الخبراء العرب بمشاركة تجاوزت أربعة وثمانين ألف مواطن داخل الوطن وخارجه، يكشف عن تنوع في الموقف الشعبي: فبينما يرى أكثر من نصف المشاركين (55.4%) أن تشكيل المجلس يمثل أولوية مطروحة، ويعتقد 59.5% أنه قد يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي، تبرز في المقابل مخاوف من أن تتحول عملية التشكيل إلى محاصصة سياسية، حيث أعرب 53.4% عن قلقهم من هذا الاحتمال، وذهب 58.6% إلى أن التحالفات القائمة قد تواجه تحديات في إنتاج مجلس يمثل السودانيين بفعالية. هذه المؤشرات تعكس حالة من الترقب الشعبي للعمل السياسي، وهو ما يتجلى في الأولويات التي حددها المشاركون لدور المجلس المقترح، حيث تصدرت الرقابة على الأداء التنفيذي بنسبة 74.2% قائمة المهام المأمولة، متبوعة بسن التشريعات بنسبة 66.4%، ثم دعم الاستقرار السياسي بنسبة 62.5%، في إشارة إلى الاهتمام بوجود مؤسسة رقابية فاعلة.
المعايير التي أشار إليها المشاركون لعضوية المجلس التشريعي تعكس اهتماماً وطنياً، حيث بلغت نسبة التأكيد على الالتزام بوحدة السودان 89%، والالتزام بالدستور والقانون 82%، وعدم التورط في قضايا تمس النزاهة 80.6%، وامتلاك الكفاءة والخبرة 79.8%، وهي معايير تعكس توجهاً نحو معايير الكفاءة والنزاهة. كما بلغت نسبة التأكيد على تطبيق هذه المعايير على الجميع دون استثناء 86.8%، وهو ما يشبه توافقاً على أهمية العدالة في التطبيق. وفيما يتعلق بموقف المشاركين من بعض القوى السياسية، فقد أظهرت النتائج آراء متباينة حول مشاركة تحالفات سياسية محددة، حيث أشار 77% إلى عدم تأييد مشاركة بعض التحالفات في المرحلة الحالية. وفي ملف مشاركة الحركات المسلحة الموقعة على السلام، أشار 42% إلى أهمية الالتزام بما تم الاتفاق عليه، وهي رؤية تراعي تنفيذ الاتفاقيات القائمة.
الاستطلاع حمل مؤشرات سياسية متعددة، أبرزها أن الرأي العام يظهر قدرة على التمييز بين المشاركة الوطنية والمحاصصة السياسية، فبينما أبدى المشاركون آراء متحفظة (54.3%) تجاه إشراك قوى معارضة في هذه المرحلة، فإنهم في الوقت ذاته أشاروا إلى أهمية الشخصيات الوطنية المستقلة من أصحاب الكفاءة، حيث حظي هذا الخيار بنسبة تجاوزت 81% كأحد مكونات المجلس المقترح، متقدماً على تمثيل القوى السياسية والأحزاب الذي حصل على 41.5%. هذا التوجه لا يلغي أهمية التمثيل المجتمعي الواسع، حيث جاء تمثيل الشباب والنساء في المرتبة الثانية بنسبة 67.5%، تلاه تمثيل النقابات والقطاعات المهنية بنسبة 59.3%، في إطار يعكس تنوع المكونات المجتمعية، خاصة مع الإشارات في الإجابات المفتوحة إلى أهمية تمثيل فئات مختلفة من المجتمع.
في الختام، يمكن القول إن استطلاع الرأي العام حول المجلس التشريعي قدم مؤشرات حول توجهات الرأي العام، وتتمثل في الاهتمام بوجود مؤسسة تشريعية تقوم على معايير الكفاءة والنزاهة والالتزام بالثوابت الوطنية، مع أهمية تجاوز الاستقطاب السياسي الضيق، وقادرة على ممارسة دور رقابي في مرحلة دقيقة. المؤشرات الرقمية تعكس تنوعاً في وجهات النظر حول المجلس التشريعي المقترح، مع وجود رغبة في تجنب تحوله إلى ساحة للصراعات السياسية، وهو ما يضع القوى الوطنية أمام مسؤولية الاستجابة للتوجهات الشعبية التي تظهر في استطلاعات الرأي. الرأي العام السوداني يظهر وعياً متزايداً، وهذه المؤشرات يمكن أخذها في الاعتبار عند دراسة أي خطوات مستقبلية تتعلق بتكوين المؤسسات التشريعية.
موسم جديد من تسكت بس ؟!
أخطر ما يمكن أن يحدث لوطنٍ ليس أن يُستهدف… بل أن يُعاد تشكيل وعيه حتى لا يدرك أنه يُستهدف.…





