‫الرئيسية‬ مقالات إزالة التمكين الإسفيرية بين الشرعية القانونية والعدالة الأخلاقية في السودان الحلقة الثانية:الصفة القانونية بين الانعدام والجدل  
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

إزالة التمكين الإسفيرية بين الشرعية القانونية والعدالة الأخلاقية في السودان الحلقة الثانية:الصفة القانونية بين الانعدام والجدل  

نقطةإرتكاز د.جادالله فضل المولي

إن الحديث عن الصفة القانونية للجنة الإسفيرية بعد أن تم سحب صلاحياتها وتجميد عملها يفتح باباً واسعاً من الجدل الذي لا ينتهي، إذ أن القانون في جوهره يقوم على مبدأ الشرعية، والشرعية لا تُبنى على الرغبات أو الضغوط الشعبية، بل على نصوص واضحة وإجراءات محددة. فحين تعود هذه اللجنة إلى الواجهة دون أن يكون لها سند قانوني معلن، فإنها تدخل في منطقة رمادية، حيث لا يمكن وصفها بأنها لجنة رسمية ذات صلاحيات، ولا يمكن في الوقت نفسه تجاهلها باعتبارها مجرد كيان بلا أثر، لأنها تطرح نفسها كفاعل في مشهد العدالة الانتقالية، وتثير أسئلة عميقة حول حدود القانون ومجال السياسة.

 

إن الصفة القانونية ليست مجرد عنوان يُطلق على مؤسسة أو لجنة، بل هي منظومة متكاملة من النصوص والقرارات التي تمنحها الحق في ممارسة سلطاتها، وتحدد نطاق اختصاصها، وتضع الضمانات التي تمنعها من الانحراف أو الاستغلال. فإذا كانت اللجنة الإسفيرية قد فقدت هذه الصفة بقرار رسمي، فإن عودتها إلى العمل دون إعادة منحها تلك الصفة يجعلها في موقع غير شرعي، ويضعها في مواجهة مباشرة مع مبدأ سيادة القانون الذي يُفترض أن يكون أساس الدولة الحديثة. فكيف يمكن أن تُحاكم نظاماً سابقاً وهي نفسها تفتقر إلى الشرعية القانونية؟ وكيف يمكن أن تُصدر قرارات أو توصيات وهي لا تملك أي سند دستوري أو تشريعي؟ .

 

إن الجدل حول الصفة القانونية لهذه اللجنة يعكس في جوهره أزمة أعمق يعيشها السودان، وهي أزمة العلاقة بين القانون والسياسة. ففي كثير من الأحيان يتم تجاوز النصوص القانونية بحجة الضرورة السياسية أو ضغط الشارع، ولكن هذا التجاوز لا يؤدي إلا إلى إضعاف مؤسسات الدولة، وإلى خلق حالة من الفوضى القانونية التي تجعل كل طرف يفسر الشرعية وفقاً لمصالحه. وهنا تكمن خطورة اللجنة الإسفيرية فهي قد تُستخدم كأداةسياسية لتصفية الحسابات مع النظام السابق، ولكنها في الوقت نفسه لا تملك أي صفة قانونية، وأن وجودها ذاته يمثل خرقاً لمبدأ الشرعية.

 

ولعل ما يزيد الأمر تعقيداً أن اللجنة الإسفيرية لا تتحرك في فراغ، بل في سياق مليء بالانقسامات والتوترات، حيث تتصارع القوى الخارجية لتقسيم السودان وإستعماره من جديد ويريدون ان يشغلون الشعب عن مهمته في القضاء علي مليشيات الدعم السريع هؤلاء إختاروا ظرف حساس ومنعطف خطير .

 

هل اللجنة جهات عدلية ومن يملك الحق في المحاسبة ومن يملك سلطة إصدار الأحكام فإذا كانت المؤسسات القضائية الرسمية هي الجهة الوحيدة المخولة قانوناً بممارسة هذا الدور، فإن أي لجنة خارج هذا الإطار تُعتبر تجاوزاً يجب ملاحقتها قانونياً حتى وإن كانت نواياها حسنة أو أهدافها نبيلة. فالعدالة لا تُبنى على النوايا، بل على القواعد، وإذا غابت القواعد فإن العدالة تتحول إلى انتقام، والانتقام لا يُقيم دولة ولا يُعيد الحقوق إلى أصحابها.

 

إن الصفة القانونية ليست مجرد مسألة شكلية، بل هي جوهر القضية كلها، لأنها تحدد ما إذا كانت اللجنة أداة شرعية لتحقيق العدالة، أم مجرد واجهة سياسية تُستخدم في لحظة معينة لإرضاء الرأي العام.

 

إن الحلقة الثانية قد وضعت الأساس لفهم الإشكالية القانونية التي تواجه اللجنة الإسفيرية، وأبرزت أن الصفة القانونية ليست مجرد عنوان، بل هي شرط أساسي لأي مؤسسة تسعى إلى ممارسة سلطة المحاسبة، وأن غياب هذه الصفة يجعل اللجنة في موقع ملتبس بين الانعدام والجدل، وهو ما سيُفتح الباب أمام نقاش أعمق في الحلقات القادمة حول دورها الأخلاقي وموقعها بين الحكم والجلاد.

 

سوف نواصل في الحلقة القادمة بإذن الله

meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

بين الوفاء والذكرى.. زيارة في حضرة التاريخ والوشائج الممتدة

​في لمسة وفاءٍ لا تخطئها العين وبنبض الأخوة الصادقة كانت لنا زيارة اجتماعية خاطفة لكنها مح…