أيها المتدبرون تريثوا
أرقاويات ميرغني أرقاوي

التدبر في كتاب الله نعمة يُلهَمُها الموفقون، تنقلب إلى فتنة إن طار أهله بخواطرهم دون تثبّتٍ وتحققٍ، أسوق لذلك مثالًا يتضح به المقصود إن شاء الله.
فَهِمَ بعضهم من قوله تعالى:
*{وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}*
أنها نَهيٌٌ عن قتال أهل الكتاب مهما بدر منهم، فأشاع ذلك وبنى عليه مواقفه، وطار بها في الآفاق.
📚 وقد استشكل الآيةَ أعلامٌ من أهل التفسير حتى ادّعوا نسخها، فليست هي مما يُتَعَجَّل في أمره.
🧭 أقول مستعينًا بالله:
إنّ الاجماع منعقدٌ على وجوب قتال المعتدي إن كان مقدورًا عليه، ولم يكن من سبيلٍ آخر يندفع به، لا فرق بين أن يكون المعتدي كتابيًا أو مشركًا أو حتى أن يكون مسلمًا، لثبوت ذلك بالنصوص القطعية، وتأكدُه بالممارسة العملية في القرون الفاضلة وما تلاها.
📖 وقد أُمِرنا أن نأخذ كتاب الله كلًّا موحدًا غير مُبَعَّض، ونُهينا أن نُعِضَّه ثم نضرب بعضه ببعض.
🧠 فسبيل الراسخين هو ردّ المتشابه إلى المحكم، على هدى قوله تعالى:
*{وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}*
فهم يؤمنون أن القرآن كلٌّ موحَّد من عند ربهم، يصدق بعضه بعضًا، وإلا لكانوا ممن يتبعون متشابهه متجاهلين مُحكَمَه، وتلك سِمة أهل الزيغ والضلال.
⚖️ وفي قتال المعتدين – أيا كانوا – آياتٌ كثيرة، منها قوله تعالى:
*{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين}*
🛡️ وقد قاتل النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم بني قريظة ويهود خيبر، ولم يقل أحدٌ قط إن هذا القتال نُسِخ حُكمُه بآية المائدة المذكورة، ولكن هب أن مُعاندًا زعم أن آية المائدة قد نًسَخَت كلَّ ما تواتر معنىً، ورسخ عملًا، فبماذا يَرُدُّ آية التوبة التي نزلت بعد هذه الآية والتي تقول صراحة:
*{قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابِ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}*
❓ ولكن رغم هذه الحجة الدامغة، التي لا سبيل لدفعها، يبقى السؤال عن تفسير قوله تعالى:
*{فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}*
قائمًا بإلحاح.
📎 أقول: ذهب معظم المفسرين إلى ادعاء النسخ بآية (السيف!!) كما ذكرنا، وكثيرًا ما يُلوذ إلى النسخ من أعجزه التوفيق بين النصوص، وهي دعوى عَجْلَى يقتضي الورع الكفَّ عنها، إلا لضرورةٍ عملية مُلِحَّة، لا لمجرد التخريج النظري المتهافت، فما جهله البعض قد يعلمه آخرون، ولو بعد حين فيزول التعارض.
🧾 وكم من آية ادّعى أقوامٌ نسخها ففنده آخرون، ومن الورع صيانة التفسير عن مثل هذا التناقض والتناسخ.
🔍 وأحسن ما وقفت عليه من قولٍ للتوفيق ورفع التناقض في هذه الآية، هو قول ابن عاشور -رحمه الله- ونصه:
[وأَمْرُه بالعفو عنهم والصفح، حُمِلَ على مكارم الأخلاق، وذلك فيما يرجع إلى سوء معاملتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وليس المقام مقام ذكر المناوأة القومية أو الدينية، فلا يعارض هذا قوله في براءة *{قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله…}]*لأن تلك أحكام التصرفات العامة، فلا حاجة إلى القول بأن هذه الآية نُسخت بآية براءة]
📌 هذا نص ما قاله رحمه الله في تفسيرها.
⚠️ وفحواه أن الأمر موجَّهٌ إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم -كخُلُقٍ- يعنيه في خاصة نفسه، ولا يتعلق بمدافعة المؤمنين للكتابيين بالاعتبار الديني أو القومي، وهو قول لا يًسلَم من م؟مَطعَن، حيث يمكن أن يوصف بأنه تَحكّمٌ وتخصيص لا يقم عليه دليل، لا سيما وأن الأمر نفسه، وباللفظين ذاتهما، ورد في سورة البقرة موجهًا إلى المؤمنين جميعًا وفي أمرٍ ديني، وذلك في قوله تعالى:
*{ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ۖ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير }*
💡 وما يراه -العبد الفقير- هو أن الأمر في الآية، بحسب نصها، متعلق بحالة (الاطِّلاع)، والتطلع طلبٌ للعلم بحالهم (وهذا هو معنى التطلع لغة)، وقد يُعبَّر به عن العلم بشيء ما والوقوف عليه، وهو بهذا حالةٌ تسبق المواجهة الفعلية، أي قبل تحولها إلى عدوان عملي، وتلك مرحلة تحتمل العفو والصفح، وتوجب الحذر لا القتال، فلكل مقام مقال ولكل حال حيلة. فإذا تطور الأمر إلى حالٍ مَخُوفٍ، كما في قوله تعالى:
*{وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ}*
وحالة المخافة هذه توجب الإنذار قبل القتال.
🚨 أما إذا شرعوا في القتال فعليًا، فلا سبيل -عقلًا ونقلًا، شرعًا وعرفًا- إلا المقاتلة، ولا شيء غيره ألبتة.
*{فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ}*
والأصل في الأمر الوجوب.
🧩 وما استُشكلت الآية إلا للغفلة عن دلالات المفردات، والقرآن حكيم دقيق في استخدامها.
🔁 وأقول نسجًا على المنوال ذاته في آية سورة البقرة التي تأمر المؤمنين جميعًا بالعفو والصفح:
{فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ}
📖 فإن صدر الآية يقول:
*{وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا }*
🧠 مفردة (وَدَّ) تعبر عن رغبةٍ في الصدور، تظهر لها مؤشرات وعلائم تدل عليها، وهي بهذا التوصيف مرحلة تتسع للعفو والصفح، أما إذا تحولت من مجرد الرغبة إلى عدوان عملي، فليس عندها من القتال بدٌّ والله.
🚫 *فليستزد المتدبرُون، فهم على خير، وليتريثوا حتى يتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من فجرالحقيقة.*
♾️♾️♾️♾️♾️
*(أرقاويات)* دعوةٌ لتنزيل
القرآن على الواقع على منهاج
السنة المطهّرة
♾️♾️♾️♾️
*💥عمّم تؤجر💥*
تحياتي الخالصة وصادق الأماني
دعواتكم الصالحات
الفور وعبرة طائر “الدودو”
في سِجلَّاتِ النُّشوءِ والارتقاء، لم تكن مأساةُ “طائرِ الدُّودو” مجردَ فاجعةٍ …




