شريان التعافي: إعادة هندسة المشروعات الصغيرة كرافعة لبناء اقتصاد ما بعد الحرب
شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com
يمر العالم بمرحلة من التحولات الهيكلية المعقدة، وتتضاعف هذه التحولات وطأةً في المناطق التي شهدت نزاعات مسلحة وحروباً أكلت الأخضر واليابس. وفي غمرة هذه الأزمات، تبرز المؤسسات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة ليس فقط كأداة امتصاص للصدمات الاقتصادية، بل كقاطرة أساسية للتعافي وإعادة الإعمار. وبمناسبة اليوم العالمي لهذه المؤسسات، يغدو التفكير في سبل نهوضها ضرورة حتمية تتجاوز الطرح النظري إلى التخطيط الاستراتيجي العملي، لا سيما عند النظر إلى طاقات الشباب النازح والمغترب في دول الجوار كركيزة أساسية لإعادة البناء والتنمية الصناعية المستدامة.
تشكّل المؤسسات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة أكثر من 90% من إجمالي الأعمال عالمياً، وهي الخزان الاستيعابي الأكبر للعمالة ومصدر الدخل الرئيسي للفئات الأكثر هشاشة كالشباب والنساء. لكن في مناخات ما بعد الحرب، تواجه هذه الكيانات تحديات مركبة تفوق قدراتها التقليدية، ومنها انكماش حجم الأعمال، حيث تشير القراءات الميدانية في مناطق النزوح الداخلي إلى تراجع حاد في القدرة التشغيلية للمؤسسات؛ فينخفض متوسط عدد الموظفين في المنشأة الواحدة إلى نحو الثلث، فضلاً عن فقدان الهياكل الأساسية والأسواق التقليدية والعملاء.
مخاوف رأس المال وتجنب المخاطر، فيميل أصحاب الأعمال في بيئات عدم الاستقرار إلى الحذر الشديد وتجنب المخاطرة، والاعتماد على شبكات العلاقات غير الرسمية للحصول على المعلومات بدلاً من القنوات المؤسسية، في ظل الفجوة التمويلية وغياب الطابع الرسمي؛ تعمل شريحة واسعة من هذه المشروعات في القطاع غير الرسمي، مما يحرمها من التسهيلات الائتمانية والدعم الحكومي، ويزيد من تعقيد موقفها القانوني والمالي.
بالتوازي مع هذه التحديات، تلوح في الأفق فرص غير مسبوقة تتيحها التحولات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والابتكار الأخضر. إن إدماج هذه الأدوات الحديثة في البنية التحتية للمشروعات الناشئة يمنحها مرونة أكبر للوصول إلى أسواق جديدة وتخفيض التكاليف التشغيلية.
يمثل الشباب (خاصة الفئة العمرية بين 18 و34 عاماً) الكتلة الحيوية الأكبر لإدارة هذه المؤسسات بنسب تتجاوز الـ 60%. وفي حالات الحروب، تهاجر هذه القوة البشرية نحو دول الجوار، وتبرز مصر كحاضنة أساسية واستراتيجية لهؤلاء الشباب النازحين.
إن هذا التواجد في دول الجوار لا ينبغي أن يُنظر إليه كأزمة لجوء واغتراب مؤقتة، بل كفرصة لبناء “رأس مال بشري عابر للحدود” عبر مسارين رئيسيين: الاحتضان وبناء القدرات في بلد المضيف؛ تتيح البيئة الاقتصادية المستقرة في دول الجوار مثل مصر فرصة ذهبية للشباب النازح للاندماج في برامج التدريب المهني والتدريب التحويلي، واكتساب مهارات الابتكار الأخضر، والتعرف على سلاسل الإمداد الإقليمية. إن تسهيل تأسيس مشروعات صغيرة للنازحين في بلد المضيف يسهم في دعم الاقتصاد المحلي ويوفر بيئة تجريبية حية لهؤلاء الرواد، الى جانب نقل المعرفة وشبكات التمويل العكسي، فيتحول هؤلاء الشباب في المغترب إلى جسور لنقل المعرفة والتكنولوجيا إلى الوطن. ومن خلال المدخرات والروابط التجارية التي يؤسسها في دول الجوار، يمكنهم ضخ استثمارات مباشرة لدعم المؤسسات الناشئة في الداخل أو إعادة توطين أعمالهم بكفاءة أعلى فور استقرار الأوضاع.
إن النهوض بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة في مراحل إعادة الإعمار يتطلب تجاوز الحلول المسكنة المؤقتة وتبني استراتيجية شاملة ترتكز على محاور متعددة، تشمل: تيسير التمويل المستدام والذكي، فيتطلب الواقع الجديد ابتكار آليات تمويل ميسرة وموجهة تتناسب مع تراجع الملاءة المالية لأصحاب العمل، من خلال صناديق ضمان القروض، والتمويل الجماعي، وتقديم حوافز للمؤسسات التي توظف الشباب والنساء (حيث لا تزال مشاركة المرأة في هذه المشروعات دون المأمول بنسب تقل عن 7%)، ثم مأسسة القطاع غير الرسمي، وهنا يجب إطلاق سياسات مرنة لتشجيع المشروعات على التسجيل الرسمي عبر تيسير الإجراءات القانونية، ومنح إعفاءات ضريبية مؤقتة، وربط الامتثال لقوانين العمل بالحصول على حزم الدعم والخدمات الرقمية.
التنمية الصناعية المستدامة والابتكار يتوجيه الاستثمارات نحو الهياكل الأساسية الرقمية لتمكين المشروعات من تبني حلول التجارة الإلكترونية، والإنتاج الأخضر، والابتكار في القطاعات الحيوية كالزراعة والتجزئة، بما يضمن صمود هذه الأعمال أمام التقلبات المناخية والجيوسياسية المستمرة، وتفعيل مذكرات التفاهم والشراكات بين الحكومات، والمنظمات التنموية الدولية، ومجتمعات الأعمال في دول الجوار لإنشاء حاضنات أعمال مشتركة وممرات تجارية تسهل حركة السلع والخدمات والخبرات التي يقودها الشباب النازح.
إن الاستثمار في المؤسسات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة في مرحلة ما بعد الحرب ليس ترفاً اقتصادياً، بل هو حجر الزاوية لصناعة السلام المستدام. عندما نمكّن شاباً نازحاً في مصر أو في مدن النزوح الداخلي من إدارة مشروعه الصغير بالابتكار، فإننا لا نبني منشأة تجارية فحسب، بل نعيد ترميم النسيج الاجتماعي ونضع اللبنة الأولى في جدار اقتصاد وطني صامد وقابل للحياة.
العميري ومها.. عودة تتجدد وعطاء يتمدد…!!
▪️ حين تفجرت أحداث الحرب في الخرطوم، لم تكن مدينة دنقلا بالنسبة للدكتور عبد المنعم العميري…





