‫الرئيسية‬ مقالات تماسك الجبهة الداخلية: خط الدفاع الحاسم في مواجهة حرب متعددة الجبهات
مقالات - ‫‫‫‏‫10 دقائق مضت‬

تماسك الجبهة الداخلية: خط الدفاع الحاسم في مواجهة حرب متعددة الجبهات

د. ميمونة سعيدآدم أبورقاب

في لحظات الاختبار الكبرى، لا تُقاس قوة الدول بعدد جيوشها فقط، بل بمدى صلابة جبهتها الداخلية. والسودان اليوم يقف في واحدة من أدق مراحله التاريخية، حيث تتكالب عليه التحديات من الداخل والخارج في آنٍ واحد. ومع ذلك، فإن الحقيقة الثابتة التي لا تقبل الجدل هي أن تماسك الجبهة الداخلية يظل العامل الحاسم في ترجيح كفة الدولة، مهما تعددت الجبهات وتعاظمت الضغوط.

 

إن فتح المليشيا لجبهات قتال من الناحية الشرقية، خاصة عبر المحور الإثيوبي، لا يمكن قراءته إلا كمؤشر واضح على تراجعها العملياتي في مسارح القتال الرئيسية، وعلى رأسها كردفان. فالعقيدة العسكرية تقر بأن الطرف الذي يعجز عن الحسم في ميدان أساسي، يلجأ إلى تشتيت الخصم بفتح جبهات جديدة، في محاولة لخلخلة توازنه وإرباك حساباته. لكن هذه الخطوة، في جوهرها، تعكس حالة ضعف لا قوة، وتؤكد أن المبادرة الميدانية لم تعد بيد تلك المليشيا.

إن الدعم الخارجي الذي تتلقاه هذه القوات من بعض دول الجوار، إضافة إلى أدوار إقليمية أخرى، لا يغير من هذه الحقيقة، بل يضاعف من خطورة المشهد. فحين تتحول أراضي دول مجاورة إلى منصات إمداد أو تدريب أو عبور، فإننا لا نكون أمام صراع داخلي فحسب، بل أمام نمط من الحروب الهجينة التي تتداخل فيها الأدوات العسكرية التقليدية مع الدعم غير المباشر، بما يهدف إلى إنهاك الدولة واستنزاف قدراتها.

ورغم هذا التعقيد، فقد أثبت الشعب السوداني خلال السنوات الثلاث الماضية قدرة استثنائية على الصمود. صمود لم يكن مجرد حالة عاطفية، بل تجسد في التماسك المجتمعي، واستمرار مؤسسات الدولة، والتفاف قطاعات واسعة حول هدف الحفاظ على الكيان الوطني. هذا الصمود أدهش المراقبين، وأعاد التأكيد على أن السودان ليس ساحة سهلة، بل دولة ذات جذور عميقة وإرادة صلبة.

أما على المستوى العسكري، فإن القوات المسلحة السودانية أثبتت – عبر تجارب متراكمة – قدرتها على القتال في ظروف بالغة التعقيد، وعلى إدارة معارك متعددة الجبهات بكفاءة عالية. فالجندي السوداني، بما يمتلكه من تدريب نوعي وخبرة ميدانية، قادر على التكيف مع مختلف البيئات، من الصحارى إلى الأحراش، ومن المناطق الحضرية إلى الحدود المفتوحة. هذه المرونة القتالية تمثل أحد أهم عناصر التفوق الاستراتيجي، وتمنح القيادة العسكرية خيارات أوسع في إدارة الصراع.

 

غير أن ما يجب أن تدركه الأطراف الإقليمية المنخرطة – بشكل مباشر أو غير مباشر – في هذا المشهد، هو أن محاولات تقويض سيادة السودان عبر دعم أطراف غير نظامية، أو فتح مسارات لوجستية معادية، لن تمر دون كلفة. فالتاريخ القريب والبعيد يثبت أن السودان، حين يتعرض لتهديد وجودي، يعيد إنتاج قوته من داخله، ويحول التحديات إلى عوامل تعبئة وطنية.

إن ما تقوم به بعض دول الجوار، إلى جانب أدوار إقليمية أخرى، يعكس قراءة قاصرة لطبيعة الدولة السودانية. فالسودان ليس مجرد جغرافيا، بل هو رمز إقليمي له وزنه وتأثيره، وأي محاولة لإضعافه ستنعكس حتمًا على استقرار الإقليم بأسره. وعليه، فإن الاستمرار في هذه السياسات لن يؤدي إلا إلى توسيع دائرة عدم الاستقرار، وهو ما لن يكون في مصلحة أي طرف.

في هذا السياق، تبرز أهمية الدور الإعلامي المسؤول كجزء لا يتجزأ من المنظومة الدفاعية. فالإعلام ليس مجرد ناقل للأحداث، بل هو أداة لتشكيل الوعي، وتعزيز الروح المعنوية، ومواجهة الحملات الدعائية المعادية. إن تبني خطاب وطني جامع، بعيد عن الاستقطاب، يسهم في تحصين الجبهة الداخلية، ويمنع تسلل الشائعات التي تستهدف إضعاف الثقة بين مكونات المجتمع.

كما أن تجاوز الخلافات السياسية في هذه المرحلة ليس خيارًا ترفيهيًا، بل ضرورة استراتيجية. ففي حضرة الوطن، تتراجع الحسابات الضيقة، وتعلو مصلحة الدولة فوق كل اعتبار. إن وحدة الصف الداخلي تمثل الرسالة الأقوى التي يمكن توجيهها إلى كل من يراهن على تفكيك السودان من الداخل.

ختامًا، فإن السودان اليوم أمام اختبار حقيقي، لكنه ليس اختبارًا بلا أدوات. فبما يمتلكه من شعب صامد، وجيش محترف، وعمق تاريخي، قادر على تجاوز هذه المرحلة، بل والخروج منها أكثر تماسكًا. وعلى كل من تسول له نفسه الاعتداء على سيادته أن يدرك أن هذا البلد لا يُكسر، وأن دروس التاريخ فيه تُكتب بثمنٍ باهظ لمن يخطئ التقدير.

‫شاهد أيضًا‬

الإفراج عن الصحفية هاجر سليمان في دنقلا بعد موجة تضامن واسعة

أفرجت السلطات الأمنية بمدينة دنقلا عن الصحفية هاجر سليمان عقب توقيفها وترحيلها من مدينة بو…