‫الرئيسية‬ مقالات تدخلات الغرب ووكلاؤه في السودان .. إدارة الهامش وإقصاء الأغلبية
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

تدخلات الغرب ووكلاؤه في السودان .. إدارة الهامش وإقصاء الأغلبية

السفير رشاد فراج الطيب

لم يعد خافياً أن مقاربة بعض القوى الغربية للملف السوداني لا تنطلق من احترام الإرادة الشعبية بقدر ما تنطلق من هاجس السيطرة وإدارة المشهد بما يضمن مصالحها كأولوية .

فحين تتعارض نتائج الواقع الاجتماعي والسياسي مع تلك المصالح ، يُعاد تشكيل هذا الواقع عبر أدوات الضغط والتصنيف ، وصناعة التحالفات ، وفرض نخب بعينها على حساب قوى أكثر حضوراً في الحياة السياسية والاجتماعية وفي الشارع .

إن تفضيل نخب أقلية أو قوى محدودة السند الجماهيري ليس صدفة ، بل هو خيار محسوب .

فهذه القوى بحكم ضعفها البنيوي تعتمد على الخارج في البقاء ، وتفتقر إلى القدرة على الاستقلال في القرار ، مما يجعلها أكثر قابلية للتماهي مع الأجندات الدولية ، سواء في الاقتصاد أو في قضايا السيادة أو في إعادة صياغة هوية الدولة نفسها .

وهنا تتحول الديمقراطية من وسيلة تعبير عن إرادة الشعوب إلى مجرد أداة انتقائية ، يُحتفى بها حين تُنتج ما يوافق المصالح ، ويُلتف عليها حين تأتي بغير المرغوب او حين تلد توجها مخالفا لمصالحها .

وفي المقابل ، تُقابل القوى ذات الامتداد الشعبي خاصة تلك التي تستند إلى مرجعية إسلامية أو وطنية محافظة بحالة من الشك والرفض المسبق .

ليس لأنها تفتقر إلى الشرعية ، بل لأنها تمتلك من الاستقلالية ما يجعلها عصيّة على الاحتواء .

فهي قوى لا يمكن اختزالها في أفراد ، ولا توجيهها عبر قنوات الدعم والتمويل ، لأنها تستمد قوتها من قواعد اجتماعية راسخة ، ومن خطاب يرتبط بهوية المجتمع وثوابته .

وفي هذا السياق ، يبرز الإصرار الواضح من بعض الأطراف الدولية ، وعلى رأسها ما يُعرف بالرباعية ، على إعادة فرض تحالفات سياسية بعينها مثل شتات الحرية والتغيير على المشهد السوداني ، رغم التآكل الواضح في رصيدها الشعبي علي محدوديته !

هذا الإصرار لا يمكن تفسيره فقط برغبة في الاستقرار ، بل يعكس سعياً لإبقاء المشهد تحت السيطرة عبر واجهات مدنية محددة ، يسهل التفاهم معها وإدارتها .

الأخطر من ذلك ، أن هذا النهج يتقاطع بصورة مباشرة أو غير مباشرة مع واقع ميداني معقد ، حيث تتداخل بعض هذه القوى بتحالف غير معلن مع أطراف مسلحة ، بما في ذلك قوات الدعم السريع المتمردة والمدعومة من الخارج ، التي يراد لها أن تصبح لاعباً رئيسياً في معادلة الصراع ، وتحظى بدعم إقليمي ودولي بطرق مختلفة لفرض وجودها في المشهد السياسي ومعادلة الحكم في الحاضر والمستقبل !

هذا التداخل بين احزاب الاقلية والمليشيا المسلحة المتمردة يطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة المشروع الذي يُراد فرضه ، هل هو مشروع انتقال ديمقراطي حقيقي ، أم إعادة هندسة للسلطة عبر تحالفات هجينة تجمع بين السياسة والسلاح ؟

إن الإصرار على تجاهل القوى ذات الحضور الجماهيري الداعمة للجيش ووحدة الدولة والسيادة ، ومحاولة القفز فوق المزاج العام ، لا يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة ، وإطالة أمد الصراع .

فالشعوب لا تُدار إلى ما لا نهاية عبر الوكلاء والاوامر الخارجية ، ولا يمكن فرض معادلات سياسية تتناقض مع بنيتها الاجتماعية والثقافية دون أن يرتد ذلك انفجاراً في وجه الجميع .

ولذلك ، فإن ما يجري في السودان اليوم ليس مجرد صراع داخلي ، بل هو أيضاً صراع على من يملك حق تعريف الشرعية ، هل هي صناديق الاقتراع حين تُتاح ، أم توافقات تُصاغ في الخارج وتُفرض في الداخل ؟

وهل يُراد للسودان أن يكون دولة ذات قرار مستقل ، أم ساحة مفتوحة لإدارة التوازنات الإقليمية والدولية ؟

إن الإجابة الصريحة تفرض نفسها : ما لم يُترك للسودانيين أن يعبروا عن أنفسهم بحرية ، دون وصاية أو هندسة مسبقة ، ومالم يأخذ السودانيون كتاب سيادتهم واستقلالهم بقوة ، فإن كل مشاريع ” الانتقال ” ستظل مجرد إعادة إنتاج للأزمة بأدوات جديدة .

فالأغلبية لا يمكن شطبها او تزييف ارادتها وخياراتها ، والهوية لا يمكن تجاوزها بالتزوير ، والسيادة لا تُجزأ .

وما بين وهم الاستقرار المفروض ، وحقيقة الاستقرار النابع من إرادة الشعب ، يقف السودان اليوم على مفترق طرق حاسم إما أن يُكتب مستقبله بيد أبنائه ، أو يُملى عليه من خارج حدوده .

‫شاهد أيضًا‬

اتحاد الصحفيين يكشف عن قانون جديد لتنظيم الإعلام

​أعلن الاتحاد العام للصحفيين السودانيين عن إطلاق سراح الصحفية هاجر سليمان بالكفالة مساء ال…