شتات الروح ونوم الأرق: هل نترك للغد حِمله؟
أجيال النيل د.سهام موسى - مصر

بين أزقة القاهرة المزدحمة وهدوء بيوتات المغتربين السودانيين، تسكن حكايا لا ترويها الوجوه السمراء الصامتة، بل تفضحها العيون المتعبة. كباحثة في الإرشاد الأسري، أرى يومياً كيف تحول “قلق الغد” من مجرد هاجس إنساني طبيعي إلى وحش ينهش سكينة الأسر السودانية التي قذفت بها أمواج الحرب إلى شواطئ النزوح. وبالأخص، أرى تلك الشابات والفتيات اللواتي يحملن فوق كواهلهن هموم الإعالة، والتعليم المتعثر، وضبابية المصير، مما جعل “النوم” -ذلك الملاذ الفطري- يتحول إلى ساحة معركة ذهنية لا تهدأ.
تؤكد الدراسات الحديثة في علم النفس العصبي أن التفكير المكثف في هموم المستقبل ليس مجرد “شغل شاغل”، بل هو عملية استنفار كيميائي للدماغ. عندما تنام الفتاة السودانية وهي تعيد ترتيب أولويات البقاء في الغد، فإن دماغها لا يدخل في حالة الراحة المطلوبة، بل يظل “شغالاً” في وضعية حل المشكلات (Problem-solving mode).
هذا النشاط الذهني المفرط يُعطل دورة النوم العميق، ويجعل الدماغ في حالة تأهب قصوى، خاصة في الساعات التي تسبق الاستيقاظ. والنتيجة؟ تتحول الأحلام من مساحة للتفريغ الوجداني إلى تجارب مزعجة وكوابيس تعكس ضغوط الواقع، فيستيقظ المرء وهو يشعر بإنهاك جسدي ونفسي أشد مما كان عليه قبل النوم، وكأنه كان يركض في ماراثون من الهموم طوال الليل.
إن خصوصية المعاناة السودانية اليوم تكمن في “اللايقين”. بالنسبة للشابات، الغد ليس مجرد يوم جديد، بل هو تساؤل مرير عن الإقامة، والعمل، ومصير الأهل في الداخل. هذا القلق الوجودي يتسرب إلى نسيج الأسرة، فيتحول البيت من سكن إلى “غرفة عمليات” قلقة.
نحن بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى استعادة ثقافة “دع قلق الغد للغد”، ليس من باب التواكل أو الهروب من المسؤولية، بل من باب “الاستدامة النفسية”. إن حرق طاقة اليوم في التوجس من غدٍ لم يأتِ بعد هو استنزاف للموارد النفسية التي نحتاجها للصمود الآن.
لكي يستعيد “النوم سلطانه” على عقولنا المرهقة، لا بد من اتباع نهج علاجي يجمع بين الوعي السلوكي والبدائل الطبيعية، يشمل ممارسة طقوس الفصل الذهني، فيجب على الفتيات والأمهات تحديد “ساعة إغلاق” للهموم. تدوين المخاوف في ورقة قبل النوم بساعتين يساعد الدماغ على الشعور بأن المهمة قد أُرشفِت مؤقتاً، مما يقلل من نشاطه الليلي، مع الاهتمام بسحر نبتة البابونج، لم يكن البابونج مجرد وصفة جدات، بل هو مهدئ عضوي يخفض مستويات الكورتيزول (هرمون الإجهاد). كوب دافئ من البابونج كفيل بإرسال إشارة للجهاز العصبي بأن وقت الحرب قد انتهى مؤقتاً، وحان وقت الهدنة، الى جانب ممارسة تمارين الاسترخاء العضلي والتنفس العميق يساعد في فك تشنجات الجسد التي تراكمت طوال اليوم نتيجة القلق والنزوح، الى جانب الإيمان بالرزق والتسليم: إن تعزيز الجانب الروحي واليقين بأن “الخالق الذي رعى العباد في ساعات الضيق، لن يضيعهم في الغد” هو أعظم حصن نفسي ضد الأرق.
ختاماً.. رسالة لكل شابة سودانية: يا عزيزتي، إن جودة حياتك وقدرتك على رعاية من تحبين تبدأ من جودة نومك. لا تسمحي لهموم الغد أن تسرق منك حقك في الراحة. نامي ملء جفونك عن شواردها، فالعقل المنهك لا يصنع حلاً، والروح المتعبة لا تبني وطناً. اتركي الغد لصاحب الغد، واستمتعي بسلطان النوم، ففي الصباح طاقة جديدة، وبالاسترخاء تفتح مغاليق الأمور.
نيابة الشمالية : من أجل الحقيقة
لا يمنعني رأي السالب في أداء ((النائبة)) العامة من الصدع والجهر بالحقيقة دفاعًا عن نيابتها…





