حراس الحقيقة: السودان في مواجهة وباء التضليل
شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

في عالمٍ باتت فيه المعلومة سلاحاً لا يقل ضراوة عن الرصاص، وفي ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي مكنت “الذكاء الاصطناعي” من صناعة واقع موازٍ، يأتي اليوم العالمي لتدقيق المعلومات (2 أبريل) كوقفة تأمل واستنهاض للوعي الجمعي. بالنسبة للمواطن السوداني، لا يعد هذا اليوم ترفاً أكاديمياً أو مناسبة مهنية، بل هو “طوق نجاة” في خضم أمواج متلاطمة من الأخبار المزيفة التي تستهدف استقراره النفسي وقراراته المصيرية.
يعيش السودانيون اليوم حالة من “الترصد القلق”، حيث يتأرجح الأمل بين أخبار العودة الطوعية للديار وبين أنباء الحرب المستعرة. هذا الوضع الاستثنائي يمثل بيئة خصبة لصناع “البروباغندا” والأخبار المحبطة؛ فالإنسان في حالات الخوف والترقب يميل لا شعورياً لتصديق ما يوافق مخاوفه أو يغذي آماله، مما يجعله فريسة سهلة للتزييف العميق (Deepfake) والخلل المعلوماتي الرقمي.
إن تكثيف الأخبار الكاذبة حول الوضع الأمني أو المعيشي ليس مجرد تشويش، بل هو استراتيجية تهدف إلى “تثبيط العزائم” وضرب التماسك الاجتماعي. وكما قيل في الأثر:”الفتنة نائمة، لعن الله من أيقظها”، والتضليل في زمن الحرب هو الوقود الأكبر لهذه الفتن.
إن مواجهة هذا الطوفان تتطلب ما يسمى بـ “محو الأمية الإعلامية”. لم يعد كافياً أن تقرأ الخبر، بل يجب أن “تتفاعل معه بوعي”. المبادرات العالمية والورش التدريبية التي تستهدف الشباب والطلاب تركز اليوم على تمكينهم من مهارات النقد والتحليل، بحيث لا يتحول المستخدم إلى “جسر” تمر من فوقه الشائعات لتصل إلى الآخرين.
يقول الحكيم سقراط: “التكلم بغير علم هو أصل كل شر”، وفي عصرنا الحالي، فإن “النشر بغير علم” هو الشر المستطير الذي يهدد البيوت الآمنة.
لتحصين نفسك من التضليل، يقدم خبراء التحقق والمؤسسات الدولية المعنية بالشفافية مصفوفة من القواعد الذهبية، ومنها ضرورة التشكيك في العناوين الرنانة، العناوين التي تثير الغضب أو الفرح المفرط غالباً ما تكون مصيدة للنقرات (Clickbait). ابحث عن الخبر في محركات البحث؛ فإذا كان حقيقياً، ستجده في أكثر من مصدر موثوق.
ضرورة تشريح الوسائط (الصوت والصورة)، دقق في خلفيات الصور، لغة الجسد، التوقيت، والمناخ الظاهر. هل يتطابق الطقس في الصورة مع طقس السودان الحالي؟ هل اللهجة المستخدمة في المقطع الصوتي أصيلة أم مصطنعة؟، بالاضافة الى فحص “الهوية الرقمية”: من هو الناشر؟ هل الحساب موثق؟ ابحث في تاريخ الصفحة؛ فالكثير من المنصات المزيفة تغير أسماءها فجأة لتبدو كمنصات إخبارية رصينة، وتتبع الاقتباسات: إذا نُسب تصريح لمسؤول أو جهة سيادية، فمن المستحيل أن ينفرد به حساب مجهول على فيسبوك دون أن تنقله وكالات الأنباء الرسمية.
لحماية وعيك والحصول على الحقيقة المجردة بعيداً عن التجاذبات، ننصح بمتابعة بعض هذه المنصات التي تبذل جهداً جباراً في تشريح الشائعات السودانية. ومنها منصة بيم نيوز (Beam Reports): منصة رائدة متخصصة في كشف الأخبار المضللة وتحليل خطاب الكراهية في السودان، ومرصد تفنيد (Tafneid): يعمل بمهنية عالية على ملاحقة الإشاعات المتعلقة بالصراع والوضع السياسي، ومنصة دبنقا (قسم التحقق): بجانب دورها الإخباري، تخصص مساحة لتدقيق المعلومات المتداولة في مناطق النزاع. ومنصة تحقق – نقابة الصحفيين السودانيين: مبادرة مهنية تهدف لضبط المشهد الإعلامي وتصحيح المعلومات المغلوطة.
إن معركة السودان القادمة ليست فقط في ميادين البناء والإعمار، بل في ميادين “الوعي”. الحقيقة هي الحصن الأخير الذي يجب أن ندافع عنه، لأن الخبر الكاذب قد يهدم في ثوانٍ ما بناه الصبر في سنوات. تذكر دائماً مقولة الإمام علي كرم الله وجهه: “ليس كل ما يُعرف يُقال، ولا كل ما يُقال حضر أهله، ولا كل ما حضر أهله حان وقته، ولا كل ما حان وقته صح قوله”.
ولاية الخرطوم وزارة البنى التحتية والمواصلات هيئة الطرق والجسور ومصارف المياه إعلان عطاء رقم (5) للعام 2026م عبارات وحماية حجرية بشارع الريف الجنوبي أمدرمان
ولاية الخرطوم وزارة البنى التحتية والمواصلات هيئة الطرق والجسور ومصارف المياه إدارة الشراء…





