‫الرئيسية‬ مقالات فقه الخبر بين الهدهد والواقع المعاصر
مقالات - ‫‫‫‏‫12 دقيقة مضت‬

فقه الخبر بين الهدهد والواقع المعاصر

بقلم د. بشارة حامد جبارة باحث شرعي

في زمنٍ أصبحت فيه المعلومة تُنشر قبل أن تُفهم، وتُذاع قبل أن تُوزن، وتُتداول قبل أن تُمحَّص؛ يأتي القرآن ليضع لنا ميزانًا ربانيًا دقيقًا، يضبط حركة الخبر، ويؤسس لمنهجٍ رصينٍ في التعامل مع المعلومات، خاصة ما يتعلق بالأمن والخوف، والسلم والحرب.

إن المتأمل في قصة الهدهد في سورة النمل يقف على درسٍ عظيم في فقه الخبر، حين قال الله تعالى:

﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾.

هذا الهدهد – وهو طائر – لم يأتِ بخبرٍ مرسل، ولا بتحليلٍ مضطرب، ولا بإشاعةٍ متداولة، بل جاء بـ “نبأ يقين”؛ أي خبرٍ محققٍ ثابتٍ، قائمٍ على المعاينة والتثبت.

ثم لم ينشره في الناس، ولم يثر به العامة، بل رده مباشرة إلى القيادة الشرعية، إلى نبي الله سليمان عليه السلام.

وهنا يتجلى الفرق الهائل بين المنهج القرآني، وبين واقعنا المعاصر؛

حيث أصبح كل من سمع خبرًا ظن نفسه محللًا، وكل من رأى مقطعًا ظن نفسه خبيرًا، وكل من قرأ إشاعة ظن نفسه ناقلًا للأمانة!

ثم يأتي القرآن ليحسم القضية في موضع آخر بقاعدة عظيمة، قال تعالى:

﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾.

هذه الآية ليست مجرد توجيه، بل ميزان أمة، وقانون دولة، وأصل في إدارة المعلومات:

ليس كل خبر يُنشر

وليس كل ما يُعلم يُقال

وليس كل ما يُقال يُذاع

بل هناك مرجعية، وهناك اختصاص، وهناك تقدير للمصالح والمفاسد.

إن أخطر ما يواجه المجتمعات اليوم ليس فقط الحروب العسكرية، بل حروب الشائعات، والاختراق الإعلامي، والفوضى في تداول المعلومات.

وما أكثر من يظن أنه ينصر الحق وهو في الحقيقة يخدم العدو من حيث لا يشعر!

فكم من خبرٍ عن تحركات عسكرية أُذيع فأفاد الخصم!

وكم من تحليلٍ متعجلٍ بثَّ الخوف في الناس!

وكم من إشاعةٍ هدمت ثقة المجتمع بقيادته!

وكم من “سبقٍ صحفي” كان في حقيقته طعنةً في خاصرة الوطن!

إن الجندي الذي ينقل ما يرى دون إذن، ليس ناقلًا بل خائن للأمانة.

والصحفي الذي ينشر ما يسمع دون تثبت، ليس إعلاميًا بل مروجًا للفتنة.

والداعية الذي يخوض في قضايا الأمن والسياسة دون علمٍ ولا رجوعٍ لأهلها، قد يهدم أكثر مما يبني.

ولذلك جاء التعبير القرآني دقيقًا:

﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾

أي نشروا الخبر بكل وسيلة، في كل مجلس، لكل أحد… بلا تمييز، ولا تقدير، ولا مسؤولية.

أما المنهج الحق فهو:

﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الْأَمْرِ منهم ﴾

فالرجوع إلى ولاة الأمر، وإلى أهل الاختصاص، ليس ضعفًا ولا تقييدًا، بل هو حماية للأمة، وصيانة لأمنها، وحفظ لوحدتها.

وإن من أعظم الفتن في هذا الزمان أن يتصدر للحديث في شؤون الأمة من لا يفقهها، وأن تُدار المعارك بالكلمات المرتجلة، لا بالحكمة الراشدة.

فالواجب على كل مسلم – صحفيًا كان أو عسكريًا أو داعية أو فردًا من عامة الناس – أن يتق الله في ما ينقل، وأن يعلم أن الكلمة أمانة، وأن الخبر مسؤولية، وأن الإشاعة قد تقتل أمة.

فالتريث التريث…

والتثبت التثبت…

والرجوع إلى أهل الأمر واجب لا خيار.

وإلا… فإننا نكون قد خالفنا هدي القرآن، وفتحنا أبواب الفتن على مصاريعها.

نسأل الله أن يحفظ بلاد المسلمين، وأن يجنبهم الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يرزقنا الحكمة في القول والعمل.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد. وعلى آله وصحبه أجمعين.

‫شاهد أيضًا‬

ولاية الخرطوم وزارة البنى التحتية والمواصلات هيئة الطرق والجسور ومصارف المياه ​إعلان عطاء رقم (5) للعام 2026م ​عبارات وحماية حجرية بشارع الريف الجنوبي أمدرمان

ولاية الخرطوم وزارة البنى التحتية والمواصلات هيئة الطرق والجسور ومصارف المياه إدارة الشراء…