أبوظبي والمليشيات: رحلة في دهاليز السياسة المظلمة الحلقة الثامنة: خفايا الدعم الإماراتي للمليشيات: إلي متي؟
نقطة ارتكاز د. جادالله فضل المولى

بكل بساطة هناك مخطط دولي يتجاوز الظروف الداخلية لحكومة أبوظبي، فهي ليست صاحبة القرار النهائي وإنما مجرد متعهد ينفذ ما يُرسم لها من وراء البحار، أشبه بمن يتعهد لتوصيل طلبات دليفري، يسلّم ما يُطلب منه دون أن يكون له رأي في طبيعة الطلب أو في نتائجه، التخطيط يأتي من قوى كبرى تبحث عن إعادة تشكيل المنطقة وفق مصالحها، وأبوظبي هنا مجرد أداة، مجرد منفذ، مجرد وسيط، بينما المليشيات وعلى رأسها مليشيات الدعم السريع هي اليد التي تنفذ على الأرض، اليد التي تُشعل الفوضى وتزرع الخراب وتستنزف السودان وتحوّله إلى ساحة مفتوحة لكل أشكال التدخلات
إنّ استمرار حكومة أبوظبي في دعم المليشيات ليس نابعاً من رغبة داخلية بقدر ما هو جزء من شبكة معقدة من التعهدات والالتزامات، فهي ترى نفسها مضطرة إلى لعب هذا الدور لأنها ارتبطت بمخططات دولية أكبر منها، مخططات تريد أن تجعل السودان ضعيفاً هشاً، مخططات ترى أن السيطرة على السودان تعني السيطرة على بوابة إفريقيا، مخططات ترى أن إشعال الفوضى في السودان يمنحها القدرة على التحكم في مسارات التجارة والموارد والطاقة، وأبوظبي هنا مجرد منفذ لهذه الرؤية، لا تملك قراراً مستقلاً، بل تنفذ ما يُطلب منها، وتتحمل وزر ما يترتب على ذلك من دمار ومعاناة
إنّ السؤال الذي يفرض نفسه هو لماذا تقبل أبوظبي بهذا الدور، لماذا ترضى أن تكون مجرد متعهد، مجرد وسيط، مجرد أداة، والجواب أن رغبتها في النفوذ جعلتها أسيرة لهذه المخططات، فهي تظن أن تنفيذ هذه التعهدات يمنحها مكانة إقليمية، لكنها في الحقيقة تتحول إلى أداة في يد الآخرين، تتحول إلى مجرد منفذ لمشاريع لا تخدمها ولا تخدم المنطقة، مشاريع لا تجلب سوى الخراب والفوضى، مشاريع تجعلها في مواجهة مع الشعوب ومع التاريخ ومع القيم الإنسانية
إنّ استمرار دعم أبوظبي للمليشيات يعني استمرار نزيف الدم في السودان، يعني استمرار انهيار الدولة، يعني استمرار معاناة الشعب، يعني استمرار موجات النزوح واللجوء، يعني استمرار تعطيل التنمية، يعني استمرار الفوضى، وكل ذلك ليس لأن أبوظبي تريد ذلك بل لأنها ارتبطت بمخطط دولي أكبر منها، مخطط يرى أن السودان يجب أن يبقى ضعيفاً، أن يبقى ساحة للصراع، أن يبقى رهينة للمليشيات، أن يبقى بعيداً عن الاستقرار والتنمية، وأبوظبي هنا مجرد متعهد ينفذ ما يُطلب منه، لكنها مع ذلك تتحمل المسؤولية، لأنها اختارت أن تكون جزءاً من هذا المخطط، اختارت أن تكون أداة للفوضى بدل أن تكون أداة للاستقرار
إنّ اللحظة قد حانت لأبوظبي أن تدرك أن هذا الدور لا يمنحها نفوذاً بل يضعها في خانة من يعبث بمصائر الشعوب، أن تفهم أن كونها مجرد متعهد لا يعفيها من المسؤولية، أن تعي أن التاريخ لا يرحم من يزرع الفوضى، أن تفوق من غفلتها قبل أن يفوت الأوان، لأن الاستمرار في هذا الطريق يعني أن تظل مطاردة بلعنة الفوضى، أن تظل محاصرة بالكراهية، أن تظل غارقة في صراعات لا تنتهي، بينما العودة إلى الرشد تعني أن تختار طريقاً جديداً، طريقاً يقوم على البناء والتنمية والاستقرار، طريقاً يمنحها مكانة حقيقية واحتراماً دائماً، طريقاً يجعلها شريكاً لا خصماً، صديقاً لا عدواً، قوةً تبني لا قوةً تهدم، ولعل اللحظة قد حانت لتفيق أبوظبي من غفلتها وتعود إلى صوابها قبل أن يغرق السودان والمنطقة كلها في دوامة لا خروج منها.
meehad74@gmail.com
إلا المخابرات ما زالت بقية من خير
فترت وتفتر همتنا وعزيمتنا،، تحتاج من حين إلى آخر لرافعة مساندة.. إلا أفراد جهاز المخابرات …





