الرياضة: ميثاقٌ للسلام ومنهجٌ للتربية
أجيال النيل د.سهام موسى مصر

في السادس من أبريل، ونحن نحتفل باليوم العالمي للرياضة من أجل التنمية والسلام لعام 2026، لا ننظر إلى هذا اليوم مجرد مناسبة عابرة لتمجيد الأجساد القوية، بل كمناسبة لاستحضار القيمة الجوهرية للرياضة كأداة حضارية لصياغة الوجدان البشري. وبصفتي باحثة في الإرشاد الأسري والقانوني، أرى أن الملاعب هي المختبرات الحقيقية التي يُصنع فيها قادة المستقبل؛ حيث يتحول التنافس من صراع على الغلبة إلى تمرين شاق على فضيلة “المنافسة الإيجابية”.
إن أولى ركائز التربية الرياضية السليمة تكمن في إعادة صياغة مفهوم الفوز والخسارة في عقل الطفل. إننا نعيش في عصر يقدس النتيجة النهائية، مما يولد ضغطاً نفسياً قد يؤدي بالطفل إلى الانكسار عند أول تعثر. وهنا يأتي دورنا كأخصائيين وأولياء أمور لتوجيه دفة الاهتمام نحو “المجهود المبذول” لا “المركز المحقق”.
يقول الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: “قيمة كل امرئ ما يحسنه”، وفي عالم الرياضة، قيمة الطفل ليست في الميدالية التي تتدلى من عنقه، بل في المهارات التي أتقنها، والدروس التي تعلمها من عرق التدريب. إن تعليم الطفل الاستمتاع باللعبة ذاتها يبني لديه ثقة ذاتية عصية على الاهتزاز، ويجعل منه شخصاً متوازناً يعرف أن النجاح الحقيقي هو تجاوز ذاته السابقة وليس مجرد تجاوز الآخرين.
الألعاب الجماعية، مثل كرة القدم أو السلة، ليست مجرد ممارسات حركية، بل هي “عقد اجتماعي” مصغر. يتعلم الطفل من خلالها أن الفرد مهما بلغت عبقريته، يظل قاصراً دون الجماعة. هذا المفهوم يعزز قيم السلام والتفاهم التي ينشدها العالم في هذا اليوم؛ فالرياضة تعلمنا احترام “الآخر” كشريك في المنافسة وليس كعدو يجب سحقه.
وفي هذا السياق، نجد ركيزة دينية متينة تؤصل لهذا المعنى، حيث يقول الرسول ﷺ: “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً”. فالطفل الذي يمرر الكرة لزميله ليحرز هدفاً، يتعلم نكران الذات والتعاون من أجل مصلحة عليا، وهي صفة ستحميه لاحقاً من الأنانية في حياته المهنية والاجتماعية.
من أعظم الهدايا التي تقدمها الرياضة للطفل هي “الخسارة المشرفة”. إن دور الأم والمربي لا يكمن في حماية الطفل من الفشل، بل في تعليمه كيف ينهض منه. الخسارة ليست نهاية الطريق، بل هي “يوم صفر” جديد للتطوير.
إن المبدأ القانوني والتربوي يقتضي العدالة في التقييم، لذا فإن مقارنة الطفل بغيره تعد “جريمة تربوية” تقتل الإبداع. البديل هو “المقارنة الذاتية”؛ أي مقارنة مستوى الطفل اليوم بمستواه في الأمس. وكما قيل في الحكم المأثورة: “لا تضع عقبات أمام طموح طفلك بالبحث عن الكمال، فالعظمة تكمن في الاستمرار لا في عدم السقوط”.
لا يمكننا مطالبة الطفل بروح رياضية بينما تشتعل المدرجات أو البيوت بالصراخ والاعتراضات غير اللائقة. الأم هي النموذج الأول؛ واحترام للمنافس، وتقبلك للنتائج برضا، و تجنب المقارنات الهدامة، هي الرسائل الصامتة التي تبني شخصية طفلك.
لقد أجازت دور الإفتاء والشرع الحنيف اللعب الذي ينطوي على فائدة تربوية وبدنية، مما يضع على عاتقنا مسؤولية تحويل هذا “اللعب” إلى “منهج حياة” يرسخ التنمية والسلام.
ختاماً، إن الرياضة هي اللغة الوحيدة التي يفهمها العالم دون ترجمة، وهي الجسر الذي نعبر عليه نحو بناء مجتمعات خالية من العدوانية. فلنجعل من ممارسة أطفالنا للرياضة استثماراً في أخلاقهم قبل أجسادهم.
بين عصا موسى وقميص يوسف
يعيش المواطن السوداني اليوم في منطقة رمادية قاسية بين أسطورتين؛ لا هو بلغ بر الأمان، ولا ه…





