‫الرئيسية‬ مقالات ترامب – نتنياهو .. يخوضان الحرب بأفكار اللاهوت والنبوءات التلمودية !
مقالات - ‫‫‫‏‫12 ساعة مضت‬

ترامب – نتنياهو .. يخوضان الحرب بأفكار اللاهوت والنبوءات التلمودية !

السفير رشاد فراج الطيب يكتب في السياسة الدولية

في أعقاب الجدل الذي أثاره تسريب مقطع مصوّر من حفل ديني مغلق أُقيم في البيت الأبيض بمناسبة عيد الفصح لهذا العام ، ظهر Donald Trump في خطاب مطوّل اتسم بلغة مشبعة بالرمزية الدينية ، مستحضراً مفردات تتصل بالقيامة والخلاص والدور التاريخي ، في مشهد لم يكن موجهاً للرأي العام بقدر ما كان تعبيراً داخلياً أمام نخبة من القادة الدينيين .

 

وقد اكتسب هذا الحدث أبعاداً أوسع بعد تناول الكاتبة سارة باكستر له بالتحليل ، حيث رأت فيه نافذة كاشفة لطبيعة العلاقة بين الدين والسياسة في تجربة ترمب ، وللكيفية التي يُعاد بها توظيف الرموز الدينية في صياغة الخطاب السياسي .

 

لم يكن التقارب بين Donald Trump وBenjamin Netanyahu مجرد تحالف عابر تحكمه ضرورات المصالح أو توازنات القوة التقليدية ، بل جاء في سياق أعمق يكشف عن تلاقي رؤيتين تتجاوزان حدود البراغماتية السياسية إلى فضاء أيديولوجي مشبع بالرمزية الدينية والتاريخية .

 

فالمتابع لتطور هذا التحالف يلحظ أنه لم يُبن فقط على أسس استراتيجية ، وإنما على انسجام في تصور العالم ، حيث تتداخل العقيدة مع السياسة ، ويُعاد تعريف الشرعية على نحو يتجاوز القواعد المستقرة في النظام الدولي .

 

لقد أظهرت تجربة ترمب في الحكم ، خاصة في لحظات بعينها مثل خطاباته ذات الطابع الديني ، ميلاً واضحاً إلى توظيف الرمزية الدينية في بناء صورة ذات بعد رسالي ، لا تكتفي بشرعية الصندوق الانتخابي ، بل تستدعي مفردات ( الاختيار )التاريخي والدور الاستثنائي .

 

ولم يكن ذلك منفصلاً عن البيئة الحاضنة له داخل الولايات المتحدة ، حيث يشكل التيار الإنجيلي قوة اجتماعية وسياسية مؤثرة ، تنظر إلى العالم من خلال سرديات كبرى تمزج بين الدين والسياسة ، وتمنح دعماً سياسياً لمن يقترب من رؤيتها أو يحقق بعضاً من أهدافها .

 

وفي قلب هذه الرؤية تبرز أفكار لاهوتية ذات أثر مباشر على السلوك السياسي ، من بينها الاعتقاد بضرورة تهيئة العالم لعودة ( المسيح ) ، وما يرتبط بذلك من تصورات حول معركة فاصلة يُشار إليها باسم ( هرمجدون ) ، حيث يُنظر إلى الشرق الأوسط بوصفه مسرحاً لأحداث كونية كبرى .

 

وفي هذا الإطار يكتسب دعم إسرائيل بعداً يتجاوز الحسابات السياسية والمصالح المشتركة ، ليغدو جزءاً من تصور ديني يرى في قيام دولة Israel وتفوقها تمهيداً لتحقيق ( نبوءات ) مرتبطة بنهاية التاريخ !!

 

هذا التصور يلتقي في جانب منه ، مع مفاهيم راسخة داخل الفكر الديني اليهودي ، وعلى رأسها فكرة ( شعب الله المختار ) ، التي تُستخدم في بعض القراءات المعاصرة لتأكيد خصوصية المشروع الصهيوني ومنحه بعداً يتجاوز الإطار القومي إلى بعد ديني وتاريخي .

 

وعند هذه النقطة يحدث تلاقٍ بين ( الصهيونية المسيحية ) و( الصهيونية اليهودية ) ، ليس بوصفه اندماجاً كاملاً ، بل كتقاطع وظيفي بين مشروعين متقاربين في المنطلق ، متوافقين في الغاية ؛ إذ ترى الأولى في دعم إسرائيل تحقيقاً لنبوءاتها ، بينما تجد الثانية في هذا الدعم رافعة سياسية واستراتيجية كبرى .

 

في هذا السياق يصبح التحالف مع حكومة Benjamin Netanyahu أكثر من مجرد التزام استراتيجي ، إذ يتغذى من هذه الروافد الفكرية التي تمنحه زخماً يتجاوز حدود السياسة التقليدية .

 

وتتجلى نتائج هذا التداخل بوضوح في قرارات مفصلية خلال عهد ترمب ، وفي مقدمتها الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ، وهو قرار لا يمكن فهمه فقط في إطار الحسابات السياسية ، بل يتطلب قراءة في ضوء الخلفيات الأيديولوجية والدينية التي شكلت سياقه .

 

فقد مثّل هذا القرار استجابة لرؤية ترى في القدس مركزاً دينياً وتاريخياً ، لا يخضع لمعادلات التفاوض بقدر ما يرتبط بمفهوم ( الحق ) كما يُفهم ضمن تلك السرديات .

 

ولم يقتصر الأمر على هذا القرار ، بل امتد إلى نمط أوسع من السياسات التي أعادت تعريف التحالفات والخصومات ، حيث برز خطاب يميل إلى تصوير الصراع في الشرق الأوسط ، بل وفي العالم ، بوصفه صراعاً ذا أبعاد حضارية وقيمية ، لا مجرد تنافس جيوسياسي علي النفوذ .

 

وفي هذا الإطار تتراجع المساحات الرمادية التي تتيح التسويات ، لصالح رؤى حادة تقسم العالم إلى معسكرات متقابلة ، تُستحضر فيها مفاهيم الخير والشر ، والنهاية والبداية ، في صياغات أقرب إلى اللاهوت السياسي منها إلى المفاهيم التقليدية للصراع والحرب .

 

إن ما يميز هذا النموذج ليس فقط توظيف الدين في السياسة ، بل إعادة تشكيل السياسة ذاتها وفق بنية دينية ، بحيث تصبح القرارات الكبرى مشبعة بدلالات تتجاوز الواقع المباشر ، وتمتد إلى أفق رمزي يتصل بفكرة المصير التاريخي أو الكوني .

 

وهنا تتداخل حدود تديين السياسة وعسكرة الدين، في علاقة تبادلية تُستخدم فيها الرمزية الدينية لإضفاء الشرعية ، بينما يُعاد تأويل النصوص والمفاهيم الدينية بما يخدم أهدافاً سياسية محددة .

 

غير أن هذا المشهد على ما فيه من حضور واضح للمحددات الدينية ، لا ينبغي أن يُختزل في كونه حرباً دينية صرفة أو مشروعاً موحداً موجهاً ضد الإسلام والمسلمين على نحو شامل ، إذ تظل السياسة الأمريكية حتي في ذروة صعود الخطاب الديني في عهد Donald Trump محكومة بشبكة معقدة من المصالح الاستراتيجية والاقتصادية وموازين القوى الدولية ، كما أن الداخل الغربي ذاته يشهد انقساماً واضحاً بين تيارات دينية وعلمانية ، ولا يمثل اليمين الإنجيلي فيه حالة إجماع مطلق .

 

وعليه فإن الأدق توصيفاً هو أننا أمام صراعات كبرى تُعاد صياغتها بلغة دينية وتُشحَن برمزيات عقدية ، بما يزيد من حدتها ويُضفي عليها طابعاً وجودياً ، دون أن يلغي ذلك جذورها السياسية والتاريخية العميقة .

 

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية ، إذ إن استمرار هذا التداخل بين العقيدة والسياسة يدفع نحو تقليص فرص التسوية ، ويُمهّد لصراعات مفتوحة يصعب احتواؤها ، لا لأنها دينية بالمعنى الخالص ، بل لأنها تُدار بعقلية ترى في الصراع امتداداً لمهمة تاريخية أو قدر محتوم .

 

من هنا يمكن القول إن التحالف بين Donald Trump وBenjamin Netanyahu لم يكن مجرد محطة في مسار العلاقات الدولية ، بل تعبيراً عن لحظة أوسع يُعاد فيها تعريف دور القوة ، وحدود السياسة ، ومعنى الشرعية .

 

وهي لحظة تشير إلى انتقال تدريجي من عالم تحكمه المصالح القابلة للتفاوض والتعايش ، إلى عالم تتزايد فيه النزعات الأيديولوجية ذات الطابع الديني ، بما يحمله ذلك من تداعيات عميقة على طبيعة الصراع وإمكانيات الاستقرار في النظام الدولي .

‫شاهد أيضًا‬

مليشيا تتجول في حينا وكمائن نجونا من اسرها.. (1)!!

من الايام المرة التي عشتها وعاشها كل الشعب السوداني حتي الذي يسكن الولايات الامنة…تل…