وانتصرت إرادة التصدي لمشروع العدوان والهيمنة الصهيوني الإمبريالي !
السفير رشاد فراج الطيب

بقبول الولايات المتحدة وإسرائيل وقف الحرب والعدوان علي الجمهورية الاسلامية في ايران علي النحو الذي اعلنته الوساطة الباكستانية وبقبول المقترحات الايرانية لوقف الحرب من قبل الرئيس ترامب ، تكون المقاومة الإسلامية قد انتصرت لإرادة التصدي للعدوان الصهيوني الإمبريالي ومشروعه الفاشي في لحظات التحول الكبري في التاريخ .
لا تُقاس الانتصارات بعدد الصواريخ التي أُطلقت ، ولا بحجم الدمار الذي خُلِّف ، بل بقدرة الأطراف على فرض إرادتها أو إفشال إرادة خصومها .
ومن هذا المنظور ، يمكن قراءة ما جرى بوصفه لحظة استراتيجية فارقة ، أثبتت فيها الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن إرادة المقاومة ليست شعارًا تعبويًا ، بل معادلة فعلية قادرة على إعادة تشكيل موازين القوة ، وكبح مشاريع الهيمنة مهما بلغت أدواتها من تفوق .
لقد دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل هذه المواجهة بأهداف تتجاوز الضربات التكتيكية إلى غاية استراتيجية واضحة ، وهي كسر الإرادة السياسية للخصم ، واستسلامه وإعادة صياغة سلوكه ، وفرض معادلة أمنية تُفضي عمليًا إلى نزع سلاحه ووقف برنامجه النووي السلمي وتحجيم دوره الإقليمي .
غير أن ما انتهت إليه المواجهة يكشف حدود القوة حين تصطدم بإرادة صلبة ، حيث لم يتحقق الهدف المركزي ، ولم تُكسر الإرادة ، ولم تُفرض الشروط .
إن جوهر هذا “الانتصار” لا يكمن في حسم عسكري تقليدي ، بل في إفشال الأهداف الاستراتيجية للعدوان .
فحين تصمد دولة تحت ضغط عسكري واقتصادي مركب ، وتحافظ على تماسكها المؤسسي والعملياتي ، وتخرج من المواجهة دون أن تُجرد من أدوات ردعها الأساسية وسلاحها وارادتها ، فإنها تكون قد أصابت مركز الثقل في استراتيجية خصمها .
ذلك أن الصراعات من هذا النوع لا تُحسم بإسقاط مواقع ، بل بكسر الإرادات ، وإذا بقيت الإرادة قائمة ، فإن المشروع الذي استهدفها يكون قد تعثر ، مهما بلغت الخسائر .
وفي هذا السياق ، يكتسب مفهوم “فرض الكلفة” معناه الحقيقي ، إذ لم تعد المسألة قدرة طرف على توجيه الضربات ، بل قدرته على تحمّل تبعاتها .
لقد نجحت المقاومة في تحويل التفوق العسكري لخصومها إلى عبء استراتيجي ، حيث ارتفعت كلفة الفعل العسكري إلى مستويات غير مسبوقة ، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا خاصة وأن من قام بالعدوان هما دولتان تملكان اقوي جيشين وقوتين غاشمتين نوويتين .
وهنا تتبدل المعادلة من قدرة على الهجوم بحرية إلى ضرورة الحساب قبل كل خطوة ، وهو جوهر الردع في صيغته الحديثة.
ولعل أخطر ما أفرزته هذه المواجهة هو التحول في طبيعة الصراع مع الحركة الصهيونية ، إذ لم يعد بالإمكان افتراض الحسم السريع الذي شكّل لعقود ركيزة في العقيدة الأمنية الإسرائيلية .
فالصراع يدخل طورًا جديدًا ، تتعدد فيه الجبهات ، وتتداخل فيه الساحات ، وتتآكل فيه القدرة على التحكم الكامل في مسارات التصعيد .
وبذلك ينتقل الأمن من مفهوم السيطرة إلى واقع التعايش مع تهديد دائم لا يمكن إزالته ، وإنما فقط احتواؤه .
أما على المستوى الإقليمي ، فقد أفضى هذا الصمود إلى تثبيت إيران كقوة لا يمكن تجاوزها في أي معادلة مستقبلية ، ليس بالاعتراف السياسي المعلن ، بل بواقع القدرة على التأثير والتعطيل والرد .
وهو ما سيدفع دول الإقليم إلى إعادة تموضعها بين منطق التوازن ومنطق الاصطفاف ، في مشهد يتسم بسيولة عالية ، واستقطاب متزايد ، وتراجع لفكرة الحسم الشامل لصالح إدارة الصراع ضمن حدود مضبوطة .
وفي الإطار الدولي ، يكشف هذا المشهد عن حدود القوة الأحادية ، وعن تآكل القدرة على فرض الإرادة دون كلفة باهظة .
كما يسرّع من اتجاهات التعددية القطبية ، حيث تتنامى أدوار قوى كبرى أخرى في موازنة النفوذ ، ويتراجع الاحتكار التقليدي لمفاتيح القرار الدولي .
وفي الوقت ذاته ، تتعمق أزمة الشرعية ، إذ يتراجع الالتزام بالقانون الدولي لصالح منطق القوة ، لكن في مقابل ذلك تتزايد مقاومة هذا المنطق ، وتتعزز سرديات الرفض والتصدي .
إن الانتصار هنا ليس انتصار غلبة عسكرية ، بل انتصار منع الغلبة ؛ ليس تفوقًا مطلقًا ، بل فرض توازن قسري ؛ وليس نهاية للصراع ، بل إعادة تعريف لقواعده ومسوغاته الاخلاقية والقانونية .
لقد نجحت المقاومة في الانتقال من موقع الاستهداف إلى موقع الفعل المؤثر والتصدي الشجاع والملهم ، فارضة معادلة جديدة عنوانها أن العدوان لم يعد قرارًا مجانيًا محدود التكلفة ، وأن كلفته باتت جزءًا لا يتجزأ من حساباته .
وهكذا ، فإن المعنى الأعمق لهذا التحول يتمثل في أن إرادة التصدي ، حين تستند إلى بنية صلبة ورؤية استراتيجية ، قادرة على تقويض مشاريع الهيمنة ، ليس بإسقاطها دفعة واحدة بالضرورة ، بل باستنزافها وإرباكها ، وإجبارها على التراجع خطوة بعد أخرى ومعرفة حدودها .
وذلك هو الانتصار الحقيقي ، وهو أن تُفشل إرادة خصمك في فرض ما يريد ، وأن تفرض عليه أن يعيد حساباته ، وأن تعيد أنت صياغة موقعك في معادلة لم تعد كما كانت بين قوي يفعل مايشاء مع ضعيف قليل الحيلة .
إنها معادلة جديدة ودرس ملهم لكل مقاوم للهيمنة والاحتلال والعلو ، كما إنها درس وعبرة لكل من أدمن الانبطاح والاستسلام لقوة ظن أنها تضاهي قوة الله الغالبة ولم يعد له عذر في الانجحار أو الانبهار بقوة العدو !
منظمة تضامن الشعوب الأفريقية والآسيوية ترحب بوقف إطلاق النار وتدعو لمسار تفاوضي شامل
رحّبت سكرتارية منظمة تضامن الشعوب الأفريقية والآسيوية بإعلان وقف إطلاق النار، واعتبرته خطو…





