‫الرئيسية‬ مقالات اليسار السوداني … من خطاب التحرر إلى لاءات الصراع واحتكار الشرعية
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

اليسار السوداني … من خطاب التحرر إلى لاءات الصراع واحتكار الشرعية

السفير:رشاد فراج الطيب

لم يكن اليسار السوداني الأهم – الحزب الشيوعي – في نشأته ، مجرد امتداد أيديولوجي لتيارات وافدة ، ولا ظاهرة فكرية معزولة عن سياقها الوطني ، بل شكّل في لحظة تاريخية مفصلية جزءًا أصيلًا من المشروع التحرري ، منحازًا لقضايا الاستقلال والعدالة الاجتماعية والتحرر الوطني ، ومساهمًا في بلورة الوعي الوطني في مواجهة الاستعمار وبناء الدولة الحديثة.

 

غير أن هذا الدور ، الذي حمل في طياته وعدًا تاريخيًا ، لم يستمر على نسقه الأول ، إذ شهد تحولات عميقة أعادت تشكيل خطابه ووظيفته ، لينتقل في كثير من تجلياته من موقع الفاعل في مشروع التحرر ، إلى موقع مأزوم تتداخل فيه النزعة الصراعية مع أنماط من التماهي غير الواعي مع منظومات الهيمنة ، ومع عجز متزايد عن التفاعل مع تعقيدات الدولة الوطنية وتحولاتها وتطورها .

 

لقد مثّل انهيار الاتحاد السوفيتي لحظة فاصلة في تاريخ اليسار ، إذ فقد مرجعيته النظرية الكبرى ، ودخل في فراغ فكري واستراتيجي عميق .

 

وفي مواجهة هذا التحول ، لم تتجه قطاعات واسعة منه إلى مراجعة نقدية تعيد تأسيس مشروعه ، بل مالت بدرجات متفاوتة إلى التكيّف مع النموذج الغربي الحداثوي ، خاصة في صيغته الليبرالية ، متخلية تدريجيًا عن موقعها كقوة مقاومة ، ومتحولة في بعض تجلياتها إلى وسيط ثقافي يعيد إنتاج مفاهيم الهيمنة بلغة محلية .

 

وفي هذا السياق ، برز تأثير أطروحات فرانسيس فوكوياما ، ليس بوصفها مرجعية معلنة ، بل كإطار ضمني أعاد تشكيل تصور بعض النخب اليسارية للعالم ، حيث تراجعت فكرة الصراع مع الهيمنة لصالح الاندماج في منظوماتها ، ولو عبر خطاب نقدي ظاهري .

 

نتيجة لذلك ، لم يعد الصراع في خطاب هذا اليسار أداة لتحليل الواقع وتغييره ، بل تحوّل في كثير من الأحيان ، إلى بنية قائمة بذاتها .

 

حيث تبني الشيوعيون تضخيم التباينات الاجتماعية والثقافية ، وإعادة تقديمها في صورة تناقضات حادة ، عبر مفاهيم مثل “المركز والهامش” و“العدالة التاريخية” ، بما أسهم في إعادة تشكيل الوعي الجمعي على أسس من الاستقطاب والصراع والتوجس المتبادل .

 

وقد عزز هذا المسار توظيفٌ فعّال لما يُعرف بالقوة الناعمة ، عبر الأدب والفن ومنصات المجتمع المدني ، حيث جرى تمرير خطاب الصراع والرفض والتمرد في قوالب ثقافية تحريضية جاذبة ، تُكرّس النزعة الاحتجاجية وتُضعف الثقة في مؤسسات الدولة وجيشها الوطني .

 

ولم يقتصر هذا التحول على المجال الثقافي ، بل امتد إلى الحقل السياسي والأمني ، حيث اتجهت بعض هذه المقاربات إلى إضفاء طابع أخلاقي على التمرد المسلح ، عبر تقديمه بوصفه امتدادًا للفعل الثوري ، وهو ما أسهم موضوعيًا في نقل الصراع من حيز السياسة إلى فضاء العنف ، وأضعف من تماسك الدولة الوطنية ، وفتح المجال أمام التدخلات الخارجية التي اتخذوا حيالها موقفا متماهيا وملتبسا !

 

وفي قلب هذا التحول الدراماتيكي ، يبرز موقف الحزب الشيوعي السوداني بوصفه التعبير الأكثر وضوحًا عن هذا المأزق ، من خلال ما يمكن تسميته بـ“اللاءات الثلاث” :

لا للشراكة مع الجيش ، لا للحرب ، لا للانتخابات .

 

وهذه اللاءات ، في ظاهرها ، تبدو مواقف متفرقة ، لكنها في جوهرها تعكس رؤية متكاملة للدولة والسلطة والشرعية.

 

فشعار “لا للشراكة مع الجيش” لا يعبّر فقط عن موقف سياسي من دور المؤسسة العسكرية ، بل يعكس تصورًا أعمق يتعامل مع الجيش بوصفه خصمًا بنيويًا ، لا أحد مكونات الدولة .

 

وهو تصور يتجاهل طبيعة الواقع السوداني ، حيث تمثل المؤسسة العسكرية أحد أعمدة الدولة الشرعية ، بما يجعل السعي لإقصائها بالكامل طرحًا أقرب إلى القطيعة مع الواقع منه إلى إدارة توازناته .

 

أما شعار “لا للحرب” ، فعلى ما يحمله من بعد أخلاقي في ظاهره ، يتحول في غياب توصيف دقيق لطبيعة الصراع وتحديد واضح للمسؤوليات إلى موقف عام وسالب ويفتقر إلى الفاعلية السياسية والبعد الاخلاقي ، ويقع في منطقة رمادية بين الحياد والتجنب ، في لحظة تتطلب وضوحًا في تحديد طبيعة التهديدات ومصادرها لاسيما وقد استحال التمرد المحدود الي عدوان خارجي واسع ومفضوح !

 

غير أن الشعار الأكثر دلالة يظل “لا للانتخابات” ، إذ يكشف عن إشكال عميق في مفهوم الشرعية ، حيث يميل الخطاب إلى استبدال التفويض الشعبي بما يسمى “الشرعية الثورية” ، بما يفتح الباب أمام فترات انتقالية مفتوحة متطاولة بغية تعديل قواعد لعبة الانتقال الديمقراطي ، وسلطات غير خاضعة للاحتكام الدوري إلى الإرادة الشعبية يتم فيها اقصاء الخصوم السياسيين والقوي ذات الوزن الانتخابي الحقيقي .

 

وعند جمع هذه اللاءات ، تتكشف صورة أكثر اكتمالًا :

رفض لموازين القوة القائمة ،

تجنب لتحديد طبيعة الصراع ،

وتأجيل للاحتكام إلى الشعب لأطول وقت ممكن .

وهي معادلة تقود ، في المحصلة ، إلى تصور انتقالي يقوم على احتكار الشرعية لا تداولها ، وعلى إدارة الدولة من خارج قواعدها المؤسسية ، لا عبرها .

 

ويتكامل هذا المسار مع موقف أكثر اتساعًا يتسم بقدر من القطيعة مع مكونات رئيسية في المجتمع ، سواء في العلاقة مع المؤسسة العسكرية أو مع التيارات الإسلامية والقوى الوطنية والمجتمعية الأخرى ، حيث يغلب منطق الإقصاء على منطق التنافس ، بما يعمّق الاستقطاب ويضعف إمكان بناء جبهة وطنية جامعة .

 

أما على المستوى الخارجي ، فقد بدا التماهي مع الخطاب الغربي أكثر وضوحًا ، حيث انخرطت قطاعات من اليسار في شبكات المجتمع المدني الممولة دوليًا ، وتبنّت في كثير من الأحيان لغة تتقاطع مع أجندات مؤسسات مثل USAID وNational Endowment for Democracy وOpen Society Foundations ، دون تطوير مقاربة نقدية كافية لسياقات هذا الدعم وأبعاده .

 

وفي هذا الإطار ، يمكن استحضار توصيف سمير أمين لما أسماه بـ“الكومبرادور الثقافي” ، حيث تتحول بعض النخب إلى – وسيط – يعيد إنتاج مفاهيم الخارج داخل البنية المحلية ، في سياق قد يخدم عن قصد أو دون قصد استمرار علاقات الهيمنة بدل تفكيكها .

 

إن جوهر المأزق الذي يواجهه اليسار السوداني اليوم لا يكمن فقط في مواقفه السياسية ، بل في بنيته الفكرية التي لم تنجح في التوفيق بين المثال الثوري ومتطلبات الدولة .

 

فحين تعجز الفكرة عن التكيف مع الواقع من خلال برامج وافكار واقعية ، تميل إلى نفيه ، لا إلى فهمه ، وتتحول السياسة من فن الممكن إلى خطاب احتجاج دائم ومعارض وعدمي في احيان كثيرة ، لا ينتج سلطة مستقرة ولا يبني دولة قابلة للحياة .

 

ومع ذلك ، فإن هذا النقد لا يستهدف إقصاء اليسار ، بقدر ما يدعو إلى مراجعة فكرية جادة تعيد تعريف موقعه ودوره ، عبر التحرر من التبعية الفكرية والتمويلية ، واستعادة الصلة بالمجتمع وقيمه ، وتبني خطاب وطني جامع يتجاوز منطق الصراع ، ويعيد الاعتبار لفكرة الدولة بوصفها إطارًا جامعًا لا ساحة صراع مفتوح بلا حدود .

 

إن السودان اليوم أحوج ما يكون إلى مشروع وطني يعيد بناء التوازن بين المدني والعسكري ، ويؤسس لانتقال ديمقراطي يقوم على التفويض الشعبي ، لا على الوصاية السياسية وفيتو اللاءات العدمية ، ويستوعب التنوع دون أن يحوّله إلى أداة للتمزيق .

 

فالدول لا تُبنى بالشعارات ، ولا تستقر بالإقصاء ، ولا تنهض إلا بتوافق أبنائها جميعًا علي الحد الأدنى ، ضمن رؤية واقعية تعترف بتعقيداتها الاجتماعية والسياسية ، وتسعى إلى إدارتها بروح المسؤولية وتغليب المصالح العليا ، لا القفز فوقها واحتكار ساحة العمل الوطني .

‫شاهد أيضًا‬

رحيل الشيخ الطيب الجد ليس فقدًا لعائلته ومحبيه فحسب، بل هو ثُلمةٌ في نسيج المجتمع السوداني

بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾   بقلوبٍ يعتصرها …