السودان على طاولة الغير: مؤتمر برلين… أم مزاد سياسي؟
إتجاه البوصلة بقلم/الجزولي هاشم

حين تتحرك بعض القوى—بخطابها وتحالفاتها—في اتجاه تدويل الأزمة، فإنها لا تكتفي بإدراج القضية السودانية ضمن أجندات الخارج، بل تدفع بها نحو مسارٍ يُضعف ملكيتها الوطنية، ويفتح الباب لإعادة تعريفها خارج حدودها. وعندها، لا يعود مؤتمر برلين مجرد منصة نقاش، بل يتحول إلى ساحةٍ سياسية مفتوحة، أقرب إلى مزادٍ تُعرض فيه قضايا الوطن وشعبه ومقدراته، تحت عناوين براقة، بينما جوهرها صراع مصالح.
ومن هنا يتقدم السؤال الجوهري: من يملك حق الحوار حول السودان؟ ومن يحتكر صياغة الحل؟ أهو الداخل إذا ما تماسك وامتلك صوته، أم الخارج حين يجد الفراغ ويمارس ملأه؟
السودان ليس ملفًا في أدراج الدبلوماسية، ولا بندًا في جداول العواصم. السودان—في عمق أزمته—معركة وعي، لكنها أيضًا معركة بناء صوت وطني جامع، قادر على أن يتحدث باسم الجميع، ويمنع الآخرين من التحدث بالنيابة عنه أو فوقه.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية المبادرات الوطنية التي تسعى إلى استعادة ملكية الحوار من الداخل، ومن بينها مبادرة “أجندة المستقبل اليوم واليوم التالي” التي طرحها السيد/أحمد هارون، رئيس المؤتمر الوطني المفوض، بوصفها محاولة لفتح مسار سوداني-سوداني لإدارة النقاش حول قضايا الوطن بعيدًا عن الوصاية الخارجية، وترسيخ فكرة أن الحلول لا تُستورد، بل تُصاغ داخل السياق الوطني وبأدواته، وبإرادة قواه الحية.
ما يُطرح في برلين، أو غيره من المنصات، لا ينفصل عن هذا السياق. فالعالم لا يتحرك في فراغ، بل يملؤه وفق مصالحه. وحين يغيب الصوت الوطني الجامع أو يضعف، تتقدم أصوات أخرى لتعيد صياغة الأزمة بلغتها، لا بلغة أصحابها، وتحوّل السودان من وطنٍ صاحب قرار إلى “ملف” قابل للإعادة والتأويل والتدوير.
لكن جوهر الأزمة لا يتوقف عند الخارج… بل يبدأ من الداخل. من غياب مشروع وطني جامع، ومن تشرذمٍ سياسي وفكري جعل بناء الصوت الوطني المشترك مهمة مؤجلة، بل ومؤلمة. في هذا الفراغ، تُستلب الثقة، ويُعاد توجيه البوصلة بعيدًا عن قدرات الوطن وشعبه، وكأن الحل دومًا يُستورد ولا يُصنع.
وهنا يصبح التحدي الحقيقي ليس فقط رفض التدويل، بل بناء وتحصين الصوت الوطني الجامع: صوتٌ يعبر عن السودان كله، لا عن أجزاء منه، ويستعيد ثقة السودانيين في قدرتهم على إنتاج حلهم بأنفسهم، دون وصاية أو إنابة.
فالأوطان لا تُدار بالفراغ، ولا تُصان بالاستعانة الدائمة بالآخرين. وما لم يمتلك السودانيون حوارهم الوطني الكامل، وتقوية مركز قرارهم من الداخل، سيظل الباب مفتوحًا أمام كل طاولة خارجية لتتحدث باسمهم، وتقرر عنهم، وتعيد تشكيل مستقبلهم.
السودان اليوم أمام اختبار وعي وبناء في آنٍ واحد: إما أن يُنجز مشروع الصوت الوطني الجامع، أو أن يظل موضوعًا لإدارة الأزمات في الخارج. وهذا لن يُحسم في برلين، بل هنا… حيث يُبنى الإجماع، وتُستعاد الثقة في قدرة العقل السوداني علي إنتاج الحلول لمشكلات الوطن، وتُعاد صياغة المعادلة.
فحين ندرك أن السودان ليس ملفًا… بل معركة وعي وبناء صوت وطني جامع، يصبح السؤال أكثر دقة: كيف نحول الاختلاف إلى مشروع، والتباين إلى قوة، ونغلق أبواب التدويل بفتح باب الوحدة الوطنية والتوافق ؟
عندها فقط، لن يكون السودان على طاولة الغير… بل صاحب الكلمة والطاولة والقرار.
مبادرة إنسانية من دكتور السيسي لمرضى السكري
أطلق الدكتور عبد الوهاب السيسي إستشاري طب وجراحة العيون مبادرة إنسانية لحماية الشبكية من م…





