الفرق مابين المؤسسة العسكرية والاحزاب والمليشيا العبثية
حسن النخلي التحليق وسط الزحام

إن الحرب لا تُحسم فقط في ميادين القتال، وإن كانت ميادين القتال ضرورة لا مفر منها أحياناً لكسر شوكة التمرد وفرض هيبة الدولة. لكن المؤسسة العسكرية المنضبطة تدرك أن البندقية وسيلة لا غاية، وأن النصر الحقيقي هو الذي ينهي الحرب ويجمع الصف. فإذا انتفت دواعي القتال بوضع السلاح والانحياز للدولة، يصبح العفو هو المسار الصحيح، لا انتقاصاً من هيبة الدولة بل دعماً لها وترسيخاً لسلطانها.
فالجيش المحترف لا يبني عقيدته على الثأر.فإن الانضباط الهرمي يمنعه من جعل الألم الشخصي سياسة دولة. وواقعيته الصارمة تجعله يحسب كلفة كل طلقة وثمن كل يوم قتالي. لذلك حين ينجح في كسر التمرد عسكرياً، يفتح باب الإستيعاب ليحول طاقة التدمير إلى طاقة بناء. هذا العفو المنضبط بشروط لا يُضعف الدولة، بل يؤكد هيبتها فالدولة القوية هي التي تستطيع أن تعفو بعد أن تنتصر، وتستوعب بعد أن تفرض قانونها.
في المقابل، تقف الأحزاب العبثية التي تفتقر للمؤسسية. هذه الكيانات لا يحكمها ضابط ولا تردعها مصلحة عليا. فتصيرخلافاتها فوق الوطن، وعداواتها مقدسة، ولا تركن لحد أدنى من التوافق يحفظ سلامة الوطن . وجودها كله قائم على استمرار الصراع، لذلك تعجز عن العفو. الميليشيا تصفي كل منشق، والحزب العبثي يخوّن كل متوافق. كلاهما لا يبني دولة، لأن الدولة لا تُبنى بالحقد والعبثية.
ويعد لقاء القائد العام الفريق أول عبدالفتاح البرهان باللواء “القبة” الذي انحاز للجيش بكامل عتاده هو التطبيق الحرفي لهذا المبدأ المؤسسى المنضبط . القبة كان يقاتل الدولة، ولحظة انحيازه لھا انتفت دواعي قتاله. واستقباله لم يكن مكافأة لتمرده، بل إعلان انتصار: الجيش كسر التمرد فجاء جزء منه معلناً ولاءه. الدولة هنا لم تتنازل عن هيبتها، بل فرضتها. فالهيبة ليست في إستمرار القتل بعد زوال الخطر، بل في القدرة على لم الشمل وضم القوة المقاتلة إلى الصف الوطني. كل قائد ينحاز بعتاده يختصر شهوراً من المعارك ويحقن دماء مئات الجنود، وهذا نصر استراتيجي يعزز الدولة ولا يمسها.
التاريخ العسكري السوداني لم يكن يوماً أسيراً للعداء الدائم. فإتفاقية السلام الشامل 2005 أنهت أطول حرب في إفريقيا ودمجت الحركة الشعبية في مؤسسات الحكم والجيش، وكان الجيش السوداني هو الضامن الأول للاتفاق. اتفاق جوبا للسلام 2020 دمج آلاف المقاتلين من حركات دارفور والمنطقتين في القوات النظامية. هذه لم تكن تنازلات، بل كانت قرارات سيادية من مؤسسة تعرف أن الحرب استنزاف، وأن كل بندقية تعود إلى الصف الوطني هي مكسب للدولة. حتى المصالحات القبلية التي ترعاها القوات المسلحة في دارفور وكردفان تقوم على نفس المبدأ: وقف النزيف أولاً، ثم المحاسبة بالقانون، لا بالثأر.
والعالم مليء بالتجارب التي تثبت أن العفو يدعم هيبة الدولة. ألمانيا واليابان خاضتا حرباً عالمية مدمرة ضد الحلفاء، وبعد الهزيمة الساحقة والاستسلام غير المشروط، ساهمت أمريكا في إعادة بناء جيشيهما ليصبحا اليوم حليفين استراتيجيين. النصر العسكري تُوج بسلام دائم، لا بثأر أبدي. رواندا قدمت الدرس الأبلغ بعد إبادة 1994. الجيش الوطني الجديد بقيادة “كاغامي” استوعب مقاتلين من القوات التي ارتكبت المجازر بعد تأهيلهم، لأن البديل كان حرباً أهلية لا تنتهي. العفو المشروط هنا حفظ الدولة من الانهيار. جنوب إفريقيا بعد نظام الفصل العنصري أسست “لجنة الحقيقة والمصالحة”. لم يكن الهدف تبرئة القتلة، بل كشف الحقيقة مقابل العفو، لينتقل البلد من الانتقام إلى البناء. الدولة فرضت هيبتها بالقانون والمصالحة معاً.
الحرب قد تفرضها الضرورة، والجيش يخوضها ببسالة ليكسر العدو ويفرض إرادة الدولة. لكن لحظة أن يضع العدو سلاحه، تنتهي مبررات القتال. استمرار الثأر بعدها ليس قوة، بل عجز عن صناعة السلام. العفو المنضبط هو قمة القوة، لأنه يعلن أن الدولة انتصرت لدرجة أنها قادرة على استيعاب خصم الأمس ليصبح جندياً في صفها. لقاء البرهان والقبة يقول لكل حامل سلاح: باب الدولة مفتوح متى ما وضعت السلاح. ويقول للشعب: جيشكم لا يقاتل لينتقم، بل ليحمي ويبني. هذه هي هيبة الدولة الحقيقية: أن تكون قادرة على القتال عند الضرورة، وقادرة على العفو عند المصلحة، وفي الحالتين هي المنتصرة.
وخلاصة القول فإن البرھان لم يأت بشئ فريا بل سار علي نھج المؤسسية التي لاتقاتل من اجل القتال بل لتوطيد دعائم السلام وتأكيد النصر.
حفظ الله البلاد والعباد.
جيش واحد شعب واحد.
ودمتم سالمين ولوطني سلام.
الاثنين /20/ أبريل /2026
الفريق اول ياسر العطا: تغيير نظام القبول بالكلية الحربية لضمان قومية الجيش
كشف الفريق أول ياسر العطا رئيس هيئة أركان القوات المسلحة عن تغيير فى نظام القبول للكلية ال…





