‫الرئيسية‬ مقالات وصف النخب لذوي الإرب
مقالات - ‫‫‫‏‫6 ساعات مضت‬

وصف النخب لذوي الإرب

حسن النخلي يكتب: التحليق وسط الزحام

سيفتقدني قومي إذا جدّ جدهم

وفي الليلة الظلماء يُفتقد البدر.

 

ورد في معاجم العرب أن كلمة “نخب” هي خلاصة الشيء وأصله، ويعمد الناس إلى كل ما هو منتخب لتحصيل أعلى الفوائد منه، ومنها اشتُق الانتخاب كفعل لطلب الفائدة على وجه العموم. وقد نهى المولى عز وجل عن تزكية النفس على الآخرين وعلى الله، قال تعالى: {فلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ} [النجم :32.] بيد أن لفظ “النخب” بمصطلحه الحديث غير مذكور في القرآن والحديث، لكن المعنى حاضر بألفاظ أخرى تدل على الصفوة المنتقاة بالفعل أو العلم أو السبق وھنا نورد بعض المعاني التي وردت في ھذا السياق .

 

ففي القرآن يُذكر معنى النخبة بمفاهيم: الإصطفاء، الخيرية، أولو الأمر، أهل الذكر، الراسخون، أولو الألباب. والمعيار دائماً العمل والتحمل لا الادعاء. فبات الاصطفاء بالفعل {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى}. سماهم “فتية” وهم شباب، لكن الميزة أنهم آمنوا وتحملوا العزلة والخطر. فالنخبة هنا انتُخبت بإيمانها وثباتها، لا بسنها أو نسبها. وهذا معنى البيت: لا يُفتقد إلا من ثبت حين جدّ الجد.

 

وأشار إلى النخب من أولي الأمر وأهل الحل والعقد وهم السياسيون والقادة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]. وأولو الأمر هم أهل العلم والرأي الذين يُرجع إليهم عند النازلة. سمتهم أنهم يحملون كلفة القرار، فإن أحسنوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر الاجتهاد. أي أن مقامهم مربوط بتحمل المسؤولية، لا بمجرد التصدّر.

 

وأكد القرآن أن الخيرية بالتقوى والعمل الصالح لا بالخطب الجوفاء {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]. فالمعيار ليس القبيلة ولا الجاه، بل التقوى وهي فعل وتحمّل. وهذا يسقط ادعاء النخبوية القائمة على النسب أو الخطاب.

 

ولا يغيب عن النخبوية الراسخون في العلم الذين يمثلون حجر الزاوية في تثبيت العقيدة لدى الأمة وفصل الخطاب {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} [آل عمران: 7]. الرسوخ ثبات بعد امتحان. فالراسخ هو من ثبت عند المتشابه ولم يزغ. وهنا معنى “الليلة الظلماء”: لا يثبت إلا الراسخ، وهو الذي يُفتقد إن غاب.

 

وفي الحديث الشريف ورد معنى النخبة بالسبق والتحمل والنفع، لا بالادعاء.

 

خيركم أنفعكم: قال: “خير الناس أنفعهم للناس” [رواه الطبراني وحسنه الألباني]. فالخيرية مقيدة بالنفع المباشر. من لا يُنتفع به عند الحاجة ليس من الخيار، ولو كثر كلامه. وهذا هو معنى الفقد عند الشدة.

 

وأردف ذلك الوصف بالسبق في البذل وصدق العزيمة وقوة الشخصية لا تغيره صروف الدهر: قال: “المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير” [مسلم]. والقوة هنا قوة التحمل والنفع، لا قوة الصوت. فالنخبة هي القوية التي تسد الثغر إذا انكشف. ومن الناس من اختصهم الله بقضاء حوائج الناس، أولئك هم الآمنون. فكان الاختصاص دلالة على الاصطفاء والانتخاب ودليل على صدق العمل ونفعيته لدى الناس، فالاختصاص مرتبط بعظيم المنفعة وجزيل الثواب.

 

وحملة القرآن أهل الله ضمن النخب: قال: “إن لله أهلين من الناس. قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: أهل القرآن، هم أهل الله وخاصته” [ابن ماجه وصححه الألباني]. والخصوصية هنا ليست بالحفظ فقط، بل بالعمل به والقيام بحقه. فمن حمله ولم يعمل به لم يكن من أهله.

 

فأصبح هنالك من يقوم هذه الأمة ويعيد ضبط بوصلتها عندما يحيد البعض عن الطريق، فكان التناصح للأئمة: قال: “الدين النصيحة. قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم” [مسلم]. فجعل للأئمة والنخبة حق النصيحة، مما يدل أن مقامهم مقام مسؤولية لا تقديس. يُسألون ويُحاسبون، لأنهم يتصدرون عند النازلة.

 

ومما سبق ذكره فإن القرآن والحديث لا يعرفان نخبة تُنصّب نفسها. يعرفان صفوة تُنتخب بابتلائها: فتية الكهف بثباتهم، أولو الأمر بعلمهم، الراسخون برسوخهم، الأخيار بنفعهم. المعيار المشترك: يُعرفون عند الشدة، ويُفتقدون إن غابوا، لأنهم حملوا عن الناس ما عجزوا عنه. ومن لم يكن كذلك فهو من الزبد، ولو سمى نفسه نخبة.

 

هذا والله أعلم.

حفظ الله البلاد والعباد.

جيش واحد شعب واحد.

ودمتم سالمين ولوطني سلام.

الأربعاء /22/ أبريل/ 2026

‫شاهد أيضًا‬

الأرض والبارود: صرخة الطبيعة في سودان الحرب وما بعدها

Ghariba2013@gmail.com تحت شعار “قوتنا، كوكبنا”، يحتفي العالم باليوم الدولي لأم…