‫الرئيسية‬ مقالات الضاربون للقرآن بالقرآن
مقالات - ‫‫‫‏‫9 ساعات مضت‬

الضاربون للقرآن بالقرآن

ارقاويات  ميرغني أرقاوي

 

*{وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}*

هذه آية في سورة الأنفال تَوَهَّمَها بعضهم معارضًة لقوله تعالى:

*{فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ}*

حتى إنَّ بعضهم لم يتورع من إدعاء النسخ.

ولو تَرَيَّث هؤلاء وفقِهوا لما وجدوا تناقضًا ولا تعارضًا، بل لوجدوا تناسقا وتكاملا تنشرح به الصدور، وتلين له الجلود والقلوب، وهذا شأن القرآن كله، يُصَدِّق بعضه بعضًا، لا يعشى عن ذلك ذو عينين.

فالآية الأولى وردت في سورة الأنفال التى تُخاطِب -أول ما تخاطب- أهلَ بدر وهم أكمل الناس إيمانًا وأعلاهم منزلةً، تَحُضُّهم على إعداد القوة، وتُحَرِّضُهم على القتال في سبيل الله، قتالًا لا خيانةَ فيه ولا عدوان، ولئن جنح هؤلاء للسلم – لِجُنوحِ عدوهم إليه – فلن يكون جنوحُهم إلا جنوحً عِزةٍ واقتدار، لا جنوح ذلةٍ وانكسار.

ولكن ربما ينشأ هنا سؤالان مُلٍحَان:

■ أولهما: لماذا ينتظر المؤمنون مبادرة غيرهم، لماذا لا يكونون هم المبادرون إلى السلم قبل الآخرين؟!

أقول لما كان قتال المؤمنين قتالا في سبيل الله، فهو -إذن – في سبيل السلام ابتداءً، ولا بدّ! فإن الله هو السلام ومنه السلام،

فالسلام هو غاية المؤمنين التي يبتغونها، وما ينبغي لهم أن يرفعوا السلاح أصلا إلا في وجه مَن اعتدى عليهم ، ولا يَحُول بينهم وبين السلام إلا عدوان المعتدي، وهذا المعتدي *وحده* هو الذي يملك أن يكف عن العدوان مبادرًا إلى السلم، فيصلح ما أفسد، فهو الذي بادر إلى الاعتداء، ولئن انحاز إلى السلام فقد تحقق المراد وعادت الأمور إلى نصابها. أمّا أن يطالب المدافع عن نفسه به، فذلك لعمري لهو الاستسلام لا السلام!!

وبهذا ينتفي السؤال ويزول الإشكال.

■ أما السؤال الآخر فهو: ألا يمكن أن يكون الانحياز إلى السلام خدعة من العدو يكيد بها المؤمنين؟!!

بلى ذلك وارد بلا شك .. وهنا تتجلى لك عظمة القرآن، ودقة عباراته!!

فإنَّ الآية الكريمة لا تتحدث عن أقوال مثل *(نعم للسلام)* ولا لشعارات مثل *(لا للحرب)* فإن عبارة:

*{وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ}*

عبارةٌ دقيقةٌ مُحْكَمةٌ لا شأن لها بالأماني والرغبات، ولا تُعنى بالأقوال والوعود ولا تلقي بالا الهتاف والشعارات! بل تقتضي بالضرورة شروعًا فعليًا وتحركًا عمليُا، ولئن عجبت فأقرأ قول ابن عاشور رحمه الله في تفسير هذه الآية بنَصه:

*”فَمَعْنى {وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ} إنْ مالُوا إلى السَّلْمِ مَيْلَ القاصِدِ إلَيْهِ، كَما يَمِيلُ الطّائِرُ الجانِحُ. وإنَّما لَمْ يَقُلْ: وإنْ طَلَبُوا السَّلْمَ فَأجِبْهم إلَيْها، لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا يُسْعِفُهم إلى السَّلْمِ حَتّى يَعْلَمَ أنَّ حالَهم حالُ الرّاغِبِ؛ لِأنَّهم قَدْ يُظْهِرُونَ المَيْلَ إلى السَّلْمِ كَيْدًا”*

فالآية – إذن- تتكلم عن *(حالة عملية)* لا عن *( مقالة لفظية)* فلا يوصف الطائر بأنَّه جانحٌ للهبوط لشقشقةٍ صوَّت بها، أو لتغريدة أصدرها، بل لعملٍ يقوم به، قال ابن عاشور

*”لِأنَّ الطّائِرَ إذا أرادَ النُّزُولَ مالَ بِأحَدِ جَناحَيْهِ، وهو جَناحُ جانِبِهِ الَّذِي يَنْزِلُ مِنهُ”*

فالجنوح شروع في خطوات عملية نحو المراد، تُشَاهَد وتلمس، لا كلمات تسمع!

والأعجب أن في حروف الآية – دعك من كلماتها – أسرارٌ وحِكَم، فإنَّ المولى قال *(للسلم)* ولم يقل *( إلى السلم)* كما هو متبادر، اسمع كيف يقول ابن عاشور:

*”واللّامُ في قَوْلِهِ: ”لِلسَّلْمِ“ واقِعَةٌ مَوْقِعَ (إلى) لِتَقْوِيَةِ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَيْلَهم إلى السَّلْمِ مَيْلُ حَقٍّ، أيْ: وإنْ مالُوا لِأجْلِ السَّلْمِ”*

والميل هنا ميل حسي مشهود لا ميل قلبي مكنون.

ثم إنه قال *( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها)* وليس *(وإن جنحوا للسلم فانغمس فيها)* جنوحٌ مقدَّر بجنوحٍ مثله وخطوة محسوبة بخطوة تكافئها.

الوجلون يريدونها *( إن رفعوا الشعار فضعوا السلاح)* وتلك هي السذاجة البلهاء أو هي الخدعة النكراء.

نعم ستظل هناك مساحات للمخادعة، واحتمالات للكيد، تتعذر محاصرتها مهما كان التحوط والحذر، فإن المخاطر يمكن تقليلها لا استئصالها، وعلى المؤمنين تَحَمُّلها في سبيل السلام، لذلك عَقَّب المولى سبحانه على هذه الآية بقوله:

*{وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ ۚ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ}*

 

ولئن خاطبت آية “الأنفال” البدريين الأتقياء المبادرين في أول الزمان، فإن الآية الأخرى تخاطب المبطئين المتثاقلين آخر الزمان، بدليل سياقاتها وبما اختتمت السورة :

*{هَا أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ ۖ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}*

وأمثال هؤلاء تكاثروا في زماننا هذا، والآية تأخذ بِأيديهم لئلا يسقطوا في حمأة الوهن ومستنقع الذل، فتذكرهم بإيمانهم لعلهم إليه يثوبون، وبربهم لعلهم عليه يتوكلون فتنادي:

*{فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ}*

فانظر كيف طاشت تَخَرُّصات الذين اتخذوا القرآن مطية لأهوائهم ومبررا لنزواتهم وحجة لتقاعسهم.

*{وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}*

‫شاهد أيضًا‬

وفد تطوعي يساند طلاب الشهادة السودانية بالمنامة

في بادرة تعكس روح التضامن والمسؤولية المجتمعية، زار وفد من الاتحاد العربي للعمل التطوعي وج…