‫الرئيسية‬ مقالات الأمن الغذائي والزراعة في السودان: بين وفرة الموارد وأزمة الإدارة
مقالات - ‫‫‫‏‫8 ساعات مضت‬

الأمن الغذائي والزراعة في السودان: بين وفرة الموارد وأزمة الإدارة

د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب

في الوقت الذي يُصنَّف فيه السودان كأحد أغنى الدول الإفريقية من حيث الموارد الزراعية، يعيش قطاع واسع من سكانه تحت تهديد انعدام الأمن الغذائي بصورة مقلقة. هذه المفارقة لم تعد مجرد إشكال اقتصادي عابر، بل تحولت إلى قضية سيادية تمس الاستقرار الوطني ومستقبل الدولة بشكل مباشر. فالسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: كيف لدولة تمتلك كل هذه المقومات الزراعية أن تعجز عن استغلال تلك الموارد؟ الإجابة تكمن في تعقيدات تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والإدارة، إلى جانب الأزمات الأمنية المتلاحقة.

يمتلك السودان ملايين الأفدنة الصالحة للزراعة، وموارد مائية ضخمة مثل نهر النيل، فضلًا عن تنوع مناخي يتيح إنتاج محاصيل متعددة طوال العام. ومع ذلك، تشير الوقائع إلى تراجع الإنتاج الزراعي، خاصة في مناطق النزاعات. لا تعود هذه الأزمة إلى نقص الموارد، بل إلى ضعف إدارتها وسوء استغلالها، حيث تغيب الخطط الاستراتيجية طويلة المدى، ويُترك القطاع الزراعي رهينة للظروف الطارئة.

وقد لعبت الحروب دورًا حاسمًا في تعميق هذه الأزمة، إذ أدت النزاعات المسلحة إلى خروج مساحات واسعة من الأراضي الزراعية من دائرة الإنتاج، نتيجة النزوح الجماعي وانعدام الأمن. كما تضررت البنية التحتية المرتبطة بالزراعة، مثل الطرق ومخازن الحبوب والأسواق، مما أدى إلى تعطيل سلاسل الإمداد وتقليل كفاءة الإنتاج. وأصبح المزارع في كثير من المناطق يواجه تحديات تتجاوز قدرته، ما دفع البعض إلى ترك الزراعة كليًا.

إلى جانب ذلك، تعاني السياسات الزراعية من اختلال واضح، حيث تتسم بالتذبذب وغياب الرؤية المتكاملة. فبدلًا من دعم صغار المزارعين وتحفيز الإنتاج المحلي، ترتفع تكلفة المدخلات الزراعية بشكل مستمر، مع ضعف في التمويل وغياب الإرشاد الزراعي الفعّال واستحداث الآت الزراعة. كما أن مشكلات التسويق تزيد من تعقيد المشهد، حيث يضطر المزارعون لبيع منتجاتهم بأسعار منخفضة بسبب ضعف البنية التحتية وغياب الأسواق المنظمة.

ولا يمكن إغفال تأثير التغير المناخي، الذي أصبح عاملًا ضاغطًا على الإنتاج الزراعي، في ظل تقلبات حادة في الأمطار وارتفاع درجات الحرارة. ومع غياب تقنيات التكيف الحديثة، يصبح القطاع الزراعي أكثر هشاشة أمام هذه التحديات المتزايدة.

في هذا السياق، يبرز الأمن الغذائي كقضية أمن قومي، تتطلب معالجة شاملة تتجاوز الحلول الجزئية. وهنا يأتي دور الصحافة، التي ينبغي أن تمارس دورًا استقصائيًا حقيقيًا، يكشف مكامن الخلل، ويضع قضايا المزارعين في صدارة النقاش العام، ويساهم في توجيه الرأي العام نحو إدراك خطورة الأزمة.

إن السودان لا يفتقر إلى الإمكانيات، بل إلى الإدارة الرشيدة والرؤية الواضحة والارادة والعزيمة من المزارعين انفسهم. وإذا لم تُتخذ خطوات جادة لإصلاح القطاع الزراعي، فإن أزمة الأمن الغذائي ستظل تهدد استقرار البلاد ومستقبلها.

‫شاهد أيضًا‬

اتحاد الصحفيين يعلن الحرب على فوضى الخطاب الإعلامي ويُفعّل لائحة المحاسبة بعقوبات رادعة

اعلن الاتحاد العام للصحفيين السودانيين إدانته لما وصفه “التهاتر المشين” في الو…