شروخ الحصن المنيع: التفكك الأسري في مهب “حروب النزوح”
أجيال النيل د. سهام موسى أخصائية علم النفس وباحثة الإرشاد الأسري والقانوني

تمر الأسرة السودانية اليوم بواحدة من أعقد الاختبارات الوجودية في تاريخها الحديث. فالحرب لم تكتفِ بهدم الجدران المادية، بل امتدت شظاياها لتصيب “العقد الاجتماعي” الصغير الذي يربط الزوج بزوجته، والآباء بأبنائهم. ومن واقع المشاهدات الميدانية والتحليل النفسي والاجتماعي، نجد أننا أمام ظاهرة “السيولة الأسرية”، حيث فقدت الأسرة قوامها الصلب وتشتتت “شذر مذر” تحت وطأة قرارات مصيرية فرضتها نيران المدافع.
لقد رصدنا شرارة التفكك الأولى في لحظة “اتخاذ القرار”. فبينما غلب على النساء منطق “الأمان البيولوجي والتربوي”، حيث رأت الأم في النزوح ضرورة قصوى لحماية البنات من الانتهاكات وحماية مستقبل الأبناء التعليمي ولو كلف ذلك كل المدخرات، نجد أن الرجل السوداني غالباً ما حاصرته “سيكولوجية الارتباط بالأرض والرزق”.
هذا التباين في الرؤية لم يكن مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل تحول في حالات كثيرة إلى صراع قانوني واجتماعي أدى إلى وقوع حالات طلاق في بلاد النزوح. فالرجل الذي يرى في الخروج “قفزة في الظلام” وفقداناً للهيبة والسيطرة المالية، اصطدم بواقع اضطرار الزوجة للخروج وحيدة لإدارة شؤون الأبناء، مما خلق فجوة في “المرجعية الأسرية” وهدم محضن التشاور.
في القاهرة ومدن أخرى، نلحظ أن الأسر السودانية القادمة حديثاً تواجه تحديات نفسية جسيمة. فبعد أن كانت هذه الأسر “مستورة” في بيوتها بخرطوم النيل، وجدت نفسها في مواجهة تآكل الأدوار التقليدية، واضطرار النساء واليافعين للانخراط في أعمال شاقة أو بأجور زهيدة لتغطية تكاليف الإيجار والمعيشة، مما ولد شعوراً بالذنب لدى “رب الأسرة” الذي توقف دخله، وتحول هذا الضغط النفسي إلى أمراض عضوية وحالات احتقان أدت في بعض المشاهدات إلى وفيات مفاجئة بين كبار السن، وأزمة التعليم بإنقطاع الأبناء عن الدراسة لعامين أو أكثر ليس مجرد خسارة أكاديمية، بل هو هدم للبناء النفسي للطفل، وتحويله من “مشروع متعلم” إلى “ترس في آلة الكدح اليومي”، وظهور مرارات الاحتكاكات “البيوت المشتركة” ضيق الخيارات المادية دفع الكثيرين للسكن مع الأقارب أو الأصهار، مما ولّد حساسيات اجتماعية ناتجة عن اختلاف أنماط الحياة وضيق المساحات الشخصية، وهو ما نطلق عليه في علم النفس “الضغط المكاني المؤدي للانفجار العاطفي”.
إن ما تمر به الأسرة السودانية يستدعي استحضار القيم التي تحفظ الكيان من الانهيار الكلي. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ”. هذه الرعاية في وقت الأزمات لا تقتصر على الإنفاق المادي الذي قد يعجز عنه المرء حالياً، بل تشمل الرعاية النفسية والاحتواء.
إن الحكمة تقتضي أن ندرك أن “المحن كاشفة”، وقد رأينا في وسط هذا الركام نماذج مشرفة للإيثار والتكافل، حيث جسدت مبادرات مثل “إسناد” وغيرها معاني الجسد الواحد الذي “إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”. إن الصبر على “شظف العيش” في سبيل الحفاظ على تماسك الأسرة هو الجهاد الحقيقي في هذه المرحلة.
نحن أمام سؤال وجودي هل ستعود هذه الأسر إلى ما كانت عليه؟ الإجابة تكمن في قدرتنا على الترميم النفسي: ضرورة لجوء الأسر المتضررة للإرشاد النفسي لتجاوز “صدمة الفقد” وتغيير نمط الحياة، والمرونة الأدوارية: تقبل فكرة أن توزيع الأدوار داخل الأسرة قد يتغير مؤقتاً (عمل المرأة أو الأبناء) دون أن يمس ذلك بكرامة الرجل أو مكانته، الى جانب الحماية القانونية بتوعية الأسر بحقوقها في بلاد النزوح، وتفعيل دور المبادرات والمنظمات لتقديم الدعم التعليمي لتقليل الفجوة المعرفية للأجيال القادمة.
إن الحرب تسرق البيوت، لكننا لا يجب أن نسمح لها بسرقة “السكينة والمودة”. إن إعادة بناء الإنسان السوداني تبدأ من ترميم الخلل الذي أصاب جدار الأسرة، فالوطن الذي نسعى للعودة إليه يبدأ من استقرار الأسرة التي تسكن فينا، أينما حللنا.
اتحاد الصحفيين يعلن الحرب على فوضى الخطاب الإعلامي ويُفعّل لائحة المحاسبة بعقوبات رادعة
اعلن الاتحاد العام للصحفيين السودانيين إدانته لما وصفه “التهاتر المشين” في الو…





