مجمع الفقه وحرب الكرامة (٣) حين يتأخر بيان الدماء وتُستعجل زلّات اللسان
خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

في هذه الحلقة نواصل كشف عوار مجمع الفقه الإسلامي، ونتناول فيها موقف المجمع من حرب الكرامة، قراءةً وتحليلًا لما صدر عنه—أو ما لم يصدر—في واحدةٍ من أعظم النوازل التي مرّ بها السودان، حيث استُبيحت الدماء، وتعرضت الأنفس والأعراض والأموال لانتهاكاتٍ جسيمة، مما يوجب على أهل العلم البيان نصحًا للأمة، وإبراءً للذمة، وقيامًا بواجب البلاغ.
ومن المعلوم أن مجمع الفقه الإسلامي قد أُعيد تشكيله في عهد عبدالله حمدوك، ثم جرى نقل تبعيته من مجلس السيادة إلى مجلس الوزراء، وهو تحوّلٌ إداري أثار تساؤلاتٍ واسعة حول مآلات استقلال القرار الشرعي.
وحينما اندلعت الحرب، واستُبيحت الدماء، وتعرّضت مدن السودان لانتهاكاتٍ جسيمة، كان المنتظر من جهةٍ مرجعيةٍ شرعية أن تتصدر المشهد ببياناتٍ واضحةٍ تُحرّم العدوان، وتدين إراقة الدماء، وتُقدّم توصيفًا شرعيًا جليًا لما يجري، بل وأن تُعلن — بوضوحٍ لا لبس فيه — تصنيف قوات الدعم السريع منظمةً إرهابية، وأن تدعو إلى الاستنفار العام تماشيًا مع جهود الدولة في حماية البلاد وصيانة المجتمع؛ فهذا هو الدور المنوط بها في مثل هذه النوازل الكبرى، مع ضرورة أن يكون لها إسهامٌ فاعلٌ في توضيح ما يجري في مجمع الفقه الإسلامي بجدة، وتنوير علماء العالم الإسلامي المشاركين فيه بحقيقته؛ إذ يختلط الأمر على كثير من الناس، وتحتاج الأمة إلى كلمةٍ فاصلة تُبيّن الحق وتُحذّر من الباطل.
ولئن كشفت هذه النوازل حجم الانتهاك للدماء المعصومة، فقد جاءت الشريعة قاطعةً في تحريمها، قال تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق﴾، وجعل قتل نفسٍ بغير حق كقتل الناس جميعًا.
وقال ﷺ: «لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم»، و**«كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه»**، تأكيدًا لعظمة هذا الجرم.
وعليه، فإن ما وقع من سفكٍ للدماء وترويعٍ للآمنين جريمةٌ شرعية عظيمة توجب البيان الصريح والإنكار الواضح بلا تردد.
فالسكوت في موضع الدماء خذلان، وتأخير البيان تفريط، والكلمة في مثل هذه النوازل أمانةٌ ومسؤولية.
غير أن هذا الدور—للأسف—لم يظهر، بل غاب الصوت في موضعٍ كان يجب أن يعلو فيه، وتأخر البيان في وقتٍ كانت فيه الدماء تُهدر، والنفوس تُزهق، والمواقف تُصاغ.
ومع طول أمد الحرب—التي تجاوزت أربع سنوات—لم يظهر للمجمع حضورٌ بمستوى هذه النوازل، بل إن أول حضورٍ لافتٍ له جاء عبر ندوةٍ إسفيرية عُقدت بتاريخ 30 سبتمبر 2025 بعنوان “دور العلماء في معركة الكرامة”، أي بعد نحو عامين من اشتعال الحرب، وهو تأخرٌ لا ينسجم مع طبيعة الدور المنتظر من جهةٍ مرجعية، يُفترض أن تكون في مقدمة الصفوف بيانًا وتوجيهًا منذ اللحظة الأولى، لا أن يأتي حضورها في صورة مجرد فعاليةٍ ذات طابعٍ نخبوي محدود الأثر، في وقتٍ كانت فيه الحاجة ماسّة إلى صوتٍ شرعيٍ مبكرٍ يوجّه الناس، ويُبيّن الأحكام، ويُحذّر من خطورة الدماء المعصومة.
وفي المقابل، يظهر المجمع بفاعليةٍ لافتة حين يتعلق الأمر بإدانة داعيةٍ بسبب كلمةٍ وُصفت بأنها زلة لسان، رغم صدور اعتذارٍ صريحٍ منه؛ وهو ما يطرح تساؤلًا مشروعًا حول ميزان الأولويات كيف يتأخر البيان عند القضايا التي تُهدر فيها الدماء، ويُستعجل عند مسائل جزئية؟ وهذا يؤكد ادلجة المجمع وانه جاء لتحقيق اهداف الجهة التي كونته
إن هذا التباين في التفاعل لا يمكن أن يُفهم إلا في إطار خللٍ واضح في ترتيب الأولويات، ويعطي انطباعًا بوجود معايير غير متوازنة، لا تنسجم مع الدور المنتظر من جهةٍ يُفترض أن تكون مرجعيةً شرعيةً جامعة، يُعوّل عليها في أوقات الفتن، وتُنتظر منها الكلمة الفاصلة حين تختلط الأمور.
وعليه، فإن إعادة النظر في تبعية المجمع باتت ضرورة، بحيث تعود إلى مجلس السيادة لا مجلس الوزراء، صونًا لاستقلال الفتوى عن التأثيرات التنفيذية، مع إعادة تشكيله على أسس علمية رصينة.
ومن هذا المنطلق، فإنني أناشد عبد الفتاح البرهان بضرورة إعادة المجمع إلى مظلته السيادية، بما يعيد له استقلاله وهيبته، ويعزز ثقة الناس في مواقفه وقراراته، كما آمل من كامل إدريس أن يبادر بالنظر في وضع المجمع بعد انتهاء مدته النظامية – بحسب ما هو متداول – والعمل على إعادة تشكيله تحت إشراف مجلس السيادة، على أسسٍ واضحة تُراعي الكفاءة العلمية، والاستقلال الشرعي، والقبول المجتمعي.
وإن من المهم في هذا السياق توسيع دائرة المشاركة لتشمل نخبةً من العلماء المعروفين بالعلم الراسخ، والاعتدال، وحضورهم المؤثر في المجتمع، ممن لم تُتح لهم الفرصة سابقًا، حتى يكون المجمع معبّرًا عن أهل العلم تمثيلًا حقيقيًا، وقادرًا على القيام بدوره في البيان الشرعي، وحفظ وحدة المجتمع، وسدّ ذرائع الفتنة والاختلاف.
وفي الختام، فإن بقاء المؤسسات الشرعية مرهونٌ بقدرتها على القيام بوظيفتها الكبرى بيان الحق في أوقات الفتن، لا مجاراة الصمت حين تعلو المآسي، ولا الانتقائية في مواضع البيان. فحين تُهدر الدماء، لا يكفي الحضور المتأخر، ولا تُجدي البيانات الرمزية، بل يُطلب موقفٌ يُبرئ الذمة، ويقيم الحجة، ويكون شاهدًا لله لا تابعًا لاعتباراتٍ عارضة.
إن التاريخ لا يخلّد إلا من صدعوا بالحق، وقد أوجب الله البيان ونهى عن كتمانه، فالميثاق قائم والتقصير فيه عظيم.
وإصلاح مجمع الفقه الإسلامي ضرورة شرعية ووطنية ليعود منبرًا للحق، دون انتقائيةٍ في مواقفه، ومرجعًا للأمة في نوازلها.
فإما أن يستعيد دوره، أو تُفتح أبواب الفتنة ويصبح الصمت شراكة في ضياع الأمانة.
اتحاد الصحفيين يعلن الحرب على فوضى الخطاب الإعلامي ويُفعّل لائحة المحاسبة بعقوبات رادعة
اعلن الاتحاد العام للصحفيين السودانيين إدانته لما وصفه “التهاتر المشين” في الو…





