‫الرئيسية‬ مقالات هندسة الشرعية في السودان
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

هندسة الشرعية في السودان

أصل_القضية | من سلسلة الجسر والمورد  محمد أحمد أبوبكر - باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية 

> ليست السياسة في لحظات الانهيار مجرد تنافس قوى… بل هي إعادة تعريف لمن يحق له أن يكون جزءاً من المعنى العام للدولة.

في واقعنا السوداني، حيث تتداخل الحرب بالسياسة، وتتشابك البنادق مع الخطابات، لا يمكن قراءة عودة الفاعلين السياسيين—ومنهم المعارضة—بوصفها حدثاً معزولاً أو قراراً أخلاقياً، بقدر ما هي جزء من هندسة أوسع لإعادة إنتاج الشرعية نفسها.

هنا، لا تُدار الدولة بمنطق “من يستحق ومن لا يستحق” فقط، بل بمنطق أكثر قسوة وواقعية:

> من يمكن إدخاله في معادلة البقاء دون أن يهددها بالكامل؟

وهنا تبدأ #أصل_القضية

 

أولاً: الشرعية كمنظومة تُعاد صناعتها لا تُكتشف

في الدول الخارجة من الحرب، لا تكون الشرعية قائمة مسبقاً، بل تُبنى طبقة فوق طبقة:

● شرعية القوة: من يملك السيطرة الميدانية

● شرعية القبول: من يمكنه التعايش مع الواقع الاجتماعي

● شرعية الخارج: من يعترف به الإقليم والعالم كطرف قابل للتعامل

 

وفي السودان اليوم، هذه الطبقات ليست مستقرة، بل في حالة “إعادة تركيب مستمرة”.

لذلك، فإن ما يبدو كعودة معارضة أو “إعادة إدماج قوى سياسية” ليس حدثاً سياسياً بسيطاً، بل هو جزء من محاولة أوسع لإعادة ضبط ميزان الشرعية داخل دولة لم تُحسم بعد معالمها النهائية.

 

ثانياً: منطق الحرب حين يتحول إلى منطق السياسة

الحرب لا تُنتج فقط منتصرين ومهزومين، بل تُنتج أيضاً قاعدة سياسية غير معلنة:

● لا يمكن إقصاء الجميع

● لا يمكن تمكين طرف واحد بالكامل

● لا يمكن ترك الفراغ مفتوحاً

 

ومن هنا، تبدأ عملية دقيقة تشبه “إعادة تدوير النخب”:

ليس لأنها مقبولة شعبياً بالضرورة، بل لأنها معروفة، قابلة للفهم، ويمكن التحكم في حدود تأثيرها.

وفي هذا السياق، تصبح العودة السياسية لبعض القوى ليست تناقضاً مع الرفض السابق، بل نتيجة مباشرة لتحول الأولويات من عدالة ما قبل الحرب… إلى قابلية إدارة ما بعد الحرب.

 

ثالثاً: الحاضنة السياسية… بين الواقع والهندسة

في قلب هذا المشهد، تتشكل فكرة “الحاضنة السياسية” لا بوصفها تحالفاً أيديولوجياً، بل كأداة توازن.

■ الجيش—بوصفه الفاعل المركزي في مرحلة ما بعد الانهيار—لا يتحرك فقط كقوة عسكرية، بل كـ:

● ضابط إيقاع سياسي

● مُوزّع غير مباشر لمراكز القوة

● مهندس لتوازنات تمنع الاحتكار

 

وهنا لا يتم بناء حاضنة لصالح طرف بعينه بقدر ما يتم خلق تعددية مضبوطة تمنع أي فاعل من التحول إلى مركز سيطرة مطلق.

إنها ليست شراكة سياسية مكتملة، بل “توازن ضرورة”.

 

رابعاً: الشعب بين الرفض والصمت الحذر

أحد أكثر الأسئلة إرباكاً هو: كيف يرفض الشعب السوداني ثم يتقبلون؟

لكن الحقيقة الأعمق أن ما حدث ليس انتقالاً بسيطاً من الرفض إلى القبول، ولا حتى من الهتاف إلى الصمت بالمعنى الساذج.

لم يتحول الشارع من “تسقط بس” إلى “تسكت بس” بمعنى الاستسلام،

بل انزلق—تحت وطأة الحرب والإرهاق—من لحظة الهتاف العالي إلى حالة من الصمت الحذر…

صمتٍ لا يخلو من الرفض، لكنه يفتقد القدرة على التعبير عنه بذات الكثافة القديمة.

في ٢٠١٩م، كان المشهد واضحاً:

○ خصم محدد

○ هدف مباشر

○ صوت موحد

أما اليوم، فالمعادلة أكثر تعقيداً:

○ حرب مفتوحة

○ فاعلون متعددون

○ تهديدات متداخلة

> لذلك لم يختفِ الرفض… بل تآكلت أدوات التعبير عنه.

ولعل الحقيقة الأكثر قسوة هي لم يعد الشعار يُرفع في الشوارع… لا لأن القناعة تغيّرت،بل لأن الكلفة ارتفعت، والقدرة على الاحتمال استُنزفت.

هنا، لا يكون الصمت قبولاً، بل يصبح أحياناً:

● شكلاً من أشكال التكيّف

● أو استراتيجية بقاء

● أو انتظاراً قلقاً لما ستؤول إليه موازين القوى

> إنه صمت مُحمّل بالمعنى… لا فراغ فيه.

 

خامساً: التوقيت… حين تتكلم الجغرافيا قبل السياسة

التوقيت السياسي في السودان لا يُفهم بمعزل عن التحولات الكبرى:

○ تراجع حدة المواجهة العسكرية في بعض المساحات

○ الحاجة إلى فتح مسار سياسي موازٍ

○ ضغط إقليمي ودولي باتجاه تسوية قابلة للإدارة

○ فراغ مدني لا يمكن تجاهله

 

في مثل هذا السياق، تصبح إعادة إدماج الفاعلين السياسيين جزءاً من “تهيئة المسرح لمرحلة انتقالية جديدة” ، حتى لو كانت ملامحها النهائية غير محسومة بعد.

 

سادساً: قراءة الجسر والمورد… الدولة كمعبر لا كقرار نهائي

من منظور “الجسر والمورد”، لا يمكن فهم ما يحدث بوصفه تثبيتاً لنظام جديد، بل بوصفه:

> مرحلة عبور بين انهيار قديم وتشكّل جديد لم يكتمل بعد.

■ الجسر هنا هو:

• الترتيبات السياسية المؤقتة

• إعادة إدماج الفاعلين

• هندسة التوازنات

■ والمورد هو:

• الشرعية

• الاعتراف

• القدرة على الاستمرار

 

لكن هذا المورد لا يُمنح دفعة واحدة، بل يُعاد توزيعه تدريجياً بين الفاعلين، وفق منطق واحد وهو تقليل الفوضى لا إنتاج المثالية.

 

#أصل_القضية: حين يصمت الشارع… لا تنتهي السياسة

في لحظات ما بعد الحرب، تتراجع الأسئلة الأخلاقية أمام الأسئلة الوجودية:

●كيف لا تنهار الدولة؟

●كيف لا يتحول الفراغ إلى انفجار جديد؟

●وكيف يمكن إدارة التناقضات دون أن تنفجر في لحظة واحدة؟

 

ومن هنا، فإن ما يبدو تناقضاً—عودة من رُفضوا سابقاً—ليس بالضرورة تناقضاً في منطق السياسة، بل انعكاساً لطبيعتها في لحظات الانكسار ، فالسياسة لا تعيد إنتاج من نحب… بل من يمكنهم منع السقوط الكامل.

وفي السودان، لا تزال اللعبة السياسية تُكتب بين الرماد…

لكن ما يجب الانتباه له جيداً هو أن صمت الشارع اليوم لا يعني نهاية الحكاية، بل ربما يكون—في لحظة ما—بداية فصلٍ أكثر تعقيداً.

وهنا بالضبط #أصل_القضية

‫شاهد أيضًا‬

بلغت «9» الف اصابة اسبوعياً صحة الخرطوم تخوض معركتها ضد الملاريا والضنك

كشفت وزارة الصحة ولاية الخرطوم، عن ارتفاع نسبة الإصابة بالملاريا من 8- 9 ألف حالة اسبوعياً…