هندسة التكافل: لغز البقاء السوداني
أجيال النيل د. سهام موسى

منذ اندلاع شرارة النزاع وتحول مسارات الحياة نحو النزوح، برز تساؤلٌ يتكرر في الشارع المصري، تارة بنبرة الحيرة وتارة بلسان الدهشة: “كيف يتدبر هؤلاء القادمون من بلاد النيلين أمورهم المعيشية لسنوات ثلاث دون انخراط حقيقي في سوق العمل، وفي ظل غياب شبه تام لمنح المنظمات الدولية التي لم تشمل إلا نزراً يسيراً منهم؟”. كباحثة في الإرشاد الأسري والمنظور النفسي الاجتماعي، أرى أن هذا السؤال لا يبحث عن إجابة اقتصادية بقدر ما يبحث عن “شيفرة” اجتماعية متجذرة في الوجدان السوداني، تتجاوز لغة الأرقام والميزانيات لتدخل في نطاق ما يمكن تسميته “اقتصاد القلوب والعلاقات الممتدة”.
تبدأ الحكاية من نسق التربية داخل البيت السوداني، حيث لا يُنشأ الطفل ليكون وحدة مستقلة تهدف للنجاة الفردية، بل يُغرس فيه منذ نعومة أظفاره أنه “عضد” لغيره. في علم النفس الاجتماعي، نجد أن الشخصية السودانية تُبنى على مبدأ المسؤولية التضامنية؛ فالبيت ليس مجرد جدران مغلقة، بل هو مساحة مشاعة للقريب والضيف. هذه “الخوارزمية” الأخلاقية تجعل الفرد يرى في إكرام الغريب واحتواء المحتاج واجباً وجودياً لا يحتاج لمبرر. عندما يرى الصبي والده يقتسم رغيفه، والفتاة أمها تفتح دارها للنازح أو المكروب، تتشكل لديهم قناعة ثابتة وراسخة بأن “الإنسان لا يُترك وحده”، وهي القاعدة التي أصبحت اليوم صمام الأمان الأول في مواجهة تداعيات الحرب والغربة.
إن الجزء الأكبر من لغز التمويل الذي يحير المراقبين يكمن في “خيط الحرير” الواصل بين السودانيين في بلاد المهجر (الخليج، أوروبا، وأمريكا) وذويهم الذين استقروا في مصر. هؤلاء المغتربون لا يرسلون المال من باب “الصدقة” أو الفضل، بل يمارسون ما نسميه في علم النفس بـ “الوفاء التبادلي”. إنهم يردون ديناً معنوياً لبيوتٍ آوتهم في صغرهم وعلمتهم دون حساب. الحوالة الشهرية التي تصل لأسرة في القاهرة أو الإسكندرية هي في حقيقتها ثمرة نظام “التكافل الممتد”؛ فالإنسان السوداني في الخارج يظل جزءاً حياً من جسد العائلة، يشعر بضيقهم قبل أن ينطقوا، ويتحرك بدافع “الحق العائلي” الذي لا يسقط بالتقادم أو المسافات.
داخل مجتمع النازحين في مصر، نلحظ ظاهرة فريدة من نوعها تتحدى النظريات الاقتصادية الكلاسيكية. القاعدة هناك تقول: “المكان يتسع لمن نُحب، والمائدة تشبع من حضر” ونظرية تفتيت الأعباء الغرفة التي صُممت لشخصين تتحول بـ”قوة الستر” لتضم أربعة أو خمسة، والمشاركة في القليل، من يملك دخلاً بسيطاً من عمل هامشي أو مدخرات ضئيلة، يفتح دائرته لتشمل من لا يملك شيئاً، إلى جانب غياب الشعور بالعبء، فمن أعمق الظواهر النفسية التي رصدتها هي غياب الشعور بـ”الثقل” لدى المستضاف، وغياب شعور “المن” لدى المضيف؛ لأن الأدوار متبادلة تاريخياً، فالذي يستضيف اليوم كان ضيفاً بالأمس، والذي يُعطي الآن قد يحتاج غداً.
رغم أن الحماية القانونية والاعتراف الدولي عبر بطاقات اللجوء والمساعدات الأممية كانت غائبة عن الأغلبية العظمى، إلا أن “القانون الشعبي” السوداني كان أسرع وأكثر فاعلية. إن فشل المنظمات في تغطية الاحتياجات الأساسية لثلاث سنوات كان كفيلاً بحدوث كارثة إنسانية، لولا أن هذا المجتمع قرر – دون اتفاق مسبق – أن يكون هو المنظمة وهو الممول وهو الملاذ. هذا الصمود ليس نتاج عشوائية، بل هو نتاج بنية اجتماعية صلبة لم تكسرها أهوال الحرب، بل زادتها تماسكاً.
في الختام، إن الإجابة على سؤال “كيف تنفقون وأنتم عاطلون؟” لا توجد في كشوف الحسابات المصرفية، بل توجد في “القيم المحمولة” داخل الحقائب التي نزحت من الخرطوم ومدني وغيرها. نحن أمام نموذج بشري يعيش بـ”البركة” بمعناها النفسي والاجتماعي العميق، أي استثمار الروابط الإنسانية لتحويل القليل إلى كفاف، والكفاف إلى ستر. السودانيون في مصر لم يصمدوا لأن لديهم مدخرات خفية، بل لأن لديهم “إنساناً” يسند إنساناً، ولأنهم آمنوا يقيناً بأن الجميل لا يضيع، وأن “الستر” هو رزق يُساق عبر القلوب الرحيمة قبل أن يكون أرقاماً في الأوراق الرسمية.
المالية تصدر المسودة الأولى لمعالجة خسائر الحرب محاسبياً
كشف المستشار محمد نور عبد الدائم وزير الدولة بوزارة المالية عن المسودة الأولى للموجهات الم…





