‫الرئيسية‬ مقالات أنا والنجم والمسااااء
مقالات - ‫‫‫‏‫4 ساعات مضت‬

أنا والنجم والمسااااء

عادل عسوم

جلس بازرعة ينتظرها على مقعد في شط البحر الأحمر بمدينته بورتسودان التي عاش فيها وأحبها، وإذا بصنو روحه التي اختارها تتأخر عن الموعد، ويطول به الانتظار ويسلمه المساء إلى ابتدارات الليل…

وبقي لوحده على مقعده يحدق في أمواج بحر القلزم المتكسرة في هدوء على الشاطئ الممتد إلى البعيييييد

والأنجم قد شرعت تبرق في السماء…

وكلما سمع صوتا او لاح بارق ظنها آتية، ولكن يخيم الظلام على الأرجاء،

وإذا بالكلمات تتساوق منبعثة من قلبه لتخلّد لنا قصيدة حزينة كتب لها أن تكون خالدة في وجدان كل أهل السودان، قصيدة سكب فيها أنفاسه العطرة وبث فيها عوالم من الرومانسية الفخيمة:

أنا والنجم والمساء

ضمنا الوجد والحنين

كم يبدع بازرعة في هذا البيت يا احباب!…

لكأني به يبتدر ب(ملموسات) ومباني تتمثل في شخصه/ والنجم/ والمسا…

أما تتمة البيت فهي (محسوسات) ومعاني تتمثل في الوجد/ والحنين!…

لقد كان اللقاء فارقا وقد سبقه لقاء ألقى في روعه إحساسا بإيشاك حبهما على الذبول والموت وهو الذي عناه بقوله:

جف في كأسنا الرجاء

وبكت فرحة السنين!

إنه ينعي حبهما، وقد تبين له يقينا بأن المشاعر التي لاترجح لها كفّة لامحالة يعطب ميزانها وتتناقصت مثاقيلها…

ياللإبداع وهو يصف رجاءه فيها بشراب قد جف عنه الكأس فإذا به يبس خواء…

أما فرحة سنيهما الماضيات؛ فقد احالها إلى أنثى تبكي على تلك النهاية، والبكاء كما تقول العرب ألزم للنساء…

تأملوا كيف صاغ عجز البيت ليؤنّث السياق حين قال:

وبكت فرحة السنين!…

ثم شرع يخاطب الشاطئ… والشطآن دوما ترمز إلى الغد لكونها منتهى الأمواه والأمواج…

آاه يا شاطئ الغدِ

أين في الليل مقعدي؟!

أين بالله موعدي؟!

ف الليل قد أرخى عليه سدوله،

وبدت معالم المقعد تخبو رويدا رويدا، تماما كموعده الذي أصبح يتلاشى مع مقدم الليل…

وأيقن بإستحالة مجيئها بعد انصرام النهار والمساء وهي التي أحبته في النور…

ويتواصل النظم الجميل فيقول:

عطر أنفاسها صبا!

يااااه

لقد شبه أنفاسها العطرة بنسيم الصبا، ولعله في ذلك يقتفي أثر امرؤ القيس عندما قال:

إِذَا قَامَتَا تَضَوَّعَ المِسْكُ مِنْهُمَا نَسِيْمَ الصَّبَا جَاءَتْ بِرَيَّا القَرَنْفُلِ!

ولكن بازرعة لم يكتف بذلك بل أضاف أبعادا أخرى للمشهد الجمالي عندما وصف (صباها) وماتحتشد به من مشاعر وأنسنة ليقول:

تحمل الشوق والصِبَا

والخيالات موهبا!

أما تمام الإبداع فيتمثل في هذا البيت:

وأنا، كلما دنا

طيفها الحلو وانثنى

عادني الهم والضنا!

بازرعة يجعل من طيفها وهو ال(محسوس) (ملموسا) يتثنّي مثل قوامها اللادن ليصبح له (طعم) يتغشى الحلق على الرغم من كونه مشهدا يراه بعينيه!…

(وأنا كلما دنا طيفها -الحلو- وانثنى)!!!

ياااااه

تلك لعمري نصاعة وبلاغة في الوصف تُعجِزُ الشعراء!

وإذا بالكلمات تصل إلى عبقري وربان زورق الألحان عثمان حسين، فتأسره في سرابات القصيدة جزالة المعاني ورصانة اللغة، فيعمل فيها (مقص) ألحانه السندسية فيلبسها ثوبا قشيبا يتسق مع جمال السياق وبهاء مرادات الكلمات وثراء عراجين ثمار القصيدة،

ويؤديها بِسَمتِ كمالٍ بشري لايضارع ولا اخاله يتكرر!.

اليكموها كاملة:

أنا والنجم والمساء

ضمنا الوجد والحنين

جف في كأسنا الرجاء

وبكت فرحة السنين

آه يا شاطئ الغد

أين في الليل مقعدي

أين بالله موعدي

يا خطاها على الربا

عطر أنفاسها صبا

تحمل الشوق والصبا

والخيالات موهبا

وأنا كلما دنا

طيفها الحلو وانثنى

عادني الهم والضنا

انا والنجم والمساء

في الدجى شاق مسمعي

صوتها الملهم النغم

في الهوى هاج مدمعي

حبها الخالد الألم

كلما لاح بارق

من محياها خافق

مات بالهم عاشق

انها رقيتي التي

خلدت لحن شهرتي

ألهبت ليل وحدتي

بالأسى والصبابة

يا ربا البحر أشهدي

هاهنا كان موعدي

وهنا كان مقعدي

أنا والنجم والمساء

adilassoom@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

توثيق شامل لمعركة مروي في ذكراها الثالثة.. وإشادة بجهود صيانة المتحف الحربي

كشفت نضال عثمان، عضو المنظومة الإعلامية الطوعية لتوثيق معركة الكرامة، عن تنفيذ جهود واسعة …