الحرب والسلام (2_10)
حسن النخلي يكتب: التحليق وسط الزحام

ومما سبق ندرك أن الحرب ليست وليدة الصدفة أو اللحظة، بل هي نبت يُسقى بالتغافل وعدم المصداقية والمصالح الذاتية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه الآن: ما هو “الأصل” الذي شوهته الحرب؟
_أولًا: الأصل هو التعايش لا الصراع_
يخدعنا “البعض” حين يهمس في آذاننا: “البقاء للأقوى والحرب هي الطبيعة، والسلام ضعف واستثناء”. هذا لثام كثيف من خلفه حجب من الظلام.
الحقيقة أن الإنسان لم يوجد وحده. وُجد “ملقى به” وسط آخرين. فالإنسان كائن اجتماعي تمتد حاجته بين الآخرين. فالفلاح لا غنى له عن الطبيب، والعالم يحتاج جهد العامل، والجندي الذي يحمي الوطن يحيك ملابسه الخياط. وهكذا فالأصل في الإنسان التكامل، فلا أحد يستطيع أن يعيش وحده أو بمعزل عن الناس. وهكذا يستقيم معنى الحياة التي يريد الطارئ أن يحل محلها وهو الموت والحرب والقتل. فالأصل هو التعايش لا الاحتراب والقتال.
والتعايش هو جوهر السكن. والسكن ليس أربعة جدران. السكن هو أن تكون مطمئنًا في العالم، أن تكون لك أرض، وأن يكون لك آخرون ترعاهم ويرعونك. الدولة في أصلها عقد تعايش: أحميك فتطيعني، أطعمك فتبني معي. القبيلة في أصلها عقد تعايش: دمك دمي، وعرضك عرضي. كل هذه العقود تشوهت، لكنها كانت سليمة في البدء. طرأت عليها الحرب فأخفتها، ولكنها لا تستطيع أن تفنيها لأنها هي الأصل الذي لا يُنفى، ولكن يُستدعى من جديد.
_ثانيًا: الحرب طارئ يصيب الأصل_
الحرب ليست كائنًا مستقلًا له وجود من ذاته. هي مرض يصيب الجسد السليم. هي اللحظة التي ينسى فيها الإنسان إنسانيته، ويتحول حيوانًا مفترسًا. عندها ينسى أن الآخر شرط لوجوده، فيراه تهديدًا لوجوده.
فالحرب كالسرطان، لا تعيش إلا على جسد السلام. تلتهم اقتصاده، وتشوه قيمه، وتكسر لغته، ثم تقول: “أنا الأصل”. وهي كاذبة.
والدليل أن الحرب لو كانت أصلًا، لما رأينا وسط الجثث من يطعم، ووسط القصف من يداوي، ووسط الخراب من يفتح مدرسة تحت شجرة. هذا الفعل هو الأصل يصرخ من تحت الركام ويقول: “ما زلت أنا هنا. لم أمت بعد”.
ولأن الحرب طارئ، فهي قابلة للعلاج. أما لو كانت أصلًا، لكان اليأس هو الفلسفة الوحيدة الممكنة، ولكان الانتحار هو الحل الوحيد المنطقي.
_ثالثًا: كيف نفهم “المفروض” من داخل “الكائن”؟_
الخطأ القاتل أن نستورد “المفروض” من كتاب، أو من تجربة دولة أخرى، ونسقطه على وضعنا الكائن. فهذا هو “القفز إلى الوهم وطلب المستحيل”. المفروض الصادق لا يُستورد من الخارج. إنما ينبع من داخل الجرح نفسه ليتحول إلى سقاء ودواء وغذاء ومسكنًا وكساء.
فما زالت الناس تطعم بعضها رغم الجوع، هذا هو “المفروض”: سلطة الرعاية أقوى من سلطة البندقية.
وما دام المعلم يدرس رغم أن راتبه انقطع، هذا هو “المفروض”: المعنى أقوى من الخراب.
وما دام الجار يحمي جاره من “الجهة الأخرى”، هذا هو “المفروض”: التعايش المشترك ممكن رغم الدم.
إذن “المفروض” ليس دولة مثالية نرسمها على الورق. “المفروض” هو تقوية هذه البذور الصغيرة التي لم تستطع الحرب قتلها. و أن نجعل الاستثناء هو القاعدة. و نحول “التكية” من فعل طارئ إلى نظام دائم.
فالسلام لا يبدأ حين توقع الأطراف المتحاربة اتفاقًا. بل يبدأ حين تقرر أنت أن “الاستثناء” الذي تفعله في حارتك هو “الأصل” الذي يجب أن يسود.
يتبع.
حفظ الله البلاد والعباد.
جيش واحد شعب واحد.
ودمتم سالمين، وللوطني سلام.
الثلاثاء/ 28/أبريل /2026
دنيا ساكة الناس دايرة ليها صبر
هذه الأغنية ظلت تتردد علي مسامعي كثيرا هذه الأيام في المركبات العامة والبيوت والمناسبات &n…





