الفريق أول هاشم عبد المطلب..نبوءة الانشقاقات تتحقق
محجوب أبوالقاسم

ليست كل الحوارات تجرى بسهولة ولا كل الشخصيات تمنح مفاتيحها سريعا للصحفيين فحين تجلس أمام سعادة الفريق أول ركن هاشم عبد المطلب رئيس هئية الاركان الاسبق تدرك منذ اللحظة الأولى أنك أمام رجل دولة وعسكري تشكلت رؤيته داخل غرف العمليات لا على منصات التصريحات وأمام قائد اعتاد أن يزن كلماته بميزان الحرب والمصلحة الوطنية لا باندفاع العناوين الصحفية أو إغراءات الإثارة الإعلامية.
أجريت معه حوار على مرور ثلاثة اعوام من الحرب في السادس عشر من ابريل الماضي نشر بصحيفة المقرن وتناولته معظم المواقع الالكترونية لما حواه من معلومات ومقترحات لتدارك ماحدث مستقبلا ،لكن بدا الرجل حذرا في الإفصاح عن الكثير من الأسئلة التي وجهتها له ومقتصدا في الحديث وكأنه لا يريد أن يمنح المعركة سوى ما تستحقه من التركيز والانضباط، لم يكن متحمسا للخوض في كثير من التفاصيل وكان يقطع بعض الأسئلة بإجابات قصيرة تحمل في داخلها ما هو أعمق من الكلام نفسه مرددا أكثر من مرةالوقت الان للعمل ودحر المليشيا، وفي أحيان أخرى يقول بحسم العسكري الواثق هذا وقت القتال فقط،وربما هنا تكمن خصوصية هذا النوع من الحوارات فالقادة العسكريون الكبار لا يتحدثون كثيرا لكنهم حين يفعلون فإن كلماتهم غالبا ما تحمل إشارات تتجاوز ظاهرها وبينما كنت أتنقل معه بين محاور الحرب والميدان والمستقبل، استوقفتني إجابته على سؤال بدا للوهلة الأولى عابرا لكنه في الحقيقة كان مفتاحا لفهم أعمق لما يجري خلف ستار المشهد.
حين سألته ما دلالات توقعكم بحدوث تصدعات داخل مليشيا الدعم السريع عقب عودة موسى هلال؟
أجاب بهدوء واختصار شديدين نتوقع تصدعات في مليشيا الدعم السريع بصورة متسارعة بعد عودة موسى هلال وسيعقبه اخرون وعلى إعلامنا الذي انتصر في معركة الكرامة أن ينتصر على خطاب العنصرية البغيضة، وكوادرنا ومؤسساتنا الإعلامية مؤهلة لذلك.
كانت إجابة مقتضبة لكنها بدت وكأنها قراءة مبكرة لتحولات قادمة فالرجل لم يكن يتحدث بلغة التوقعات المجردة وإنما بلغة من يقرأ خارطة التشققات داخل بنية المليشيا من الداخل ويستشرف مالاتها القادمة بعين الخبير العسكري الذي خبر طبيعة التحالفات الهشة والصراعات الكامنة داخل التكوينات المسلحة.
وما يلفت الانتباه أكثر أن توقعات الفريق هاشم لم تتأخر كثيرا حتى بدأت تتجسد على أرض الواقع فبعد شهر واحد فقط من حديثه معي بدأت بالفعل موجات الانشقاقات والانسلاخات من المليشيا والمعركة إلى حضن الوطن،فعاد القبة ومن بعده السافنا فيما يبدو الطريق مفتوح أمام اخرين لإعادة حساباتهم والعودة إلى الصف الوطني الأمر الذي منح حديثه انذاك بعدا استشرافيا يؤكد أن المؤسسة العسكرية كانت تقرأ المشهد بدقة تتجاوز ما كان متداولا في الساحة العامة.
وبالفعل فإن ما تلا ذلك من أحداث وتحركات ميدانية أعاد التأكيد على حقيقة ظل كثيرون يرددونها خلال هذه الحرب أن الجيش ورجاله يرون ما لا يراه الاخرين ويقرأون المشهد من زوايا لا تتوفر لعامة المتابعين.
المؤسسة العسكرية بحكم امتدادها وخبرتها وقدرتها الاستخباراتية لا تتعامل مع الوقائع بوصفها أحداثا منفصلة بل كخيوط ضمن صورة أكبر تتكشف مع الوقت.
لكن اللافت في حديث الفريق اول هاشم لم يكن فقط حديثه عن احتمالات التصدع داخل المليشيا وإنما تركيزه الواضح على معركة أخرى موازية لمعركة السلاح وهي معركة الوعي والخطاب الإعلامي. فالرجل رغم خلفيته العسكرية الصارمة بدا مدركا أن الحروب الحديثة لا تحسم بالبندقية وحدها وإنما كذلك بالكلمة والصورة والرواية الوطنية الجامعة.
ولهذا جاءت رسالته إلى الإعلام الوطني ذات دلالة عميقة إذ اعتبر أن الإعلام الذي نجح في دعم معركة الكرامة والانحياز إلى قضايا الوطن مطالب اليوم بخوض معركة أشد خطورة وهي مواجهة خطاب العنصرية والكراهية والتشظي المجتمعي الذي حاولت الحرب أن تغذيه داخل المجتمع.
وفي تقديري فإن هذه الرسالة تختصر أحد أهم التحديات التي تواجه السودان بعد ثلاثة أعوام من الحرب إذ لم تعد الأزمة مجرد صراع عسكري على الأرض بل باتت معركة للحفاظ على النسيج الاجتماعي والهوية الوطنية في مواجهة خطابات الاستقطاب والجهوية والانتقام.
لقد بدا الفريق اول هاشم عبد المطلب في ذلك الحوار وكأنه يريد القول إن الانتصار الحقيقي لا يتحقق فقط باستعادة المدن والمواقع وإنما أيضا باستعادة الروح الوطنية الجامعة ومنع الحرب من التحول إلى قطيعة مجتمعية طويلة الأمد.
ثلاثة أعوام مضت على معركة الكرامة وما يزال المشهد مفتوحا على احتمالات عديدة،
لكن المؤكد أن المؤسسة العسكرية تخوض المعركة بعقل يقرأ المستقبل قبل وقوعه وأن بعض التصريحات المقتضبة التي تبدو عابرة قد تحمل أحيانا ما هو أكبر من آلاف الكلمات.
وفي النهاية خرجت من ذلك الحوار بقناعة راسخة أن محاورة الشخصيات العسكرية الكبيرة ليست مهمة سهلة لأنها لا تمنحك كل شيء لكنها تترك لك دائما ما يدفعك للتفكير والقراءة بين السطور.
وربما لهذا السبب تحديدا تبقى بعض الإجابات القصيرة أكثر تأثيرا من الخطب الطويلة
ولنا عودة
٢٠ مايو٢٠٢٦م
مضيق هرمز: الزجاجة التي يتنفس منها العالم 21 ميلاً تحدد مصير 20% من نفط العالم
في عرض البحر بين إيران وعمان، يوجد ممر مائي عرضه 21 ميلاً فقط، اسمه مضيق هرمز. هذا الممر ا…





