مضيق هرمز: الزجاجة التي يتنفس منها العالم 21 ميلاً تحدد مصير 20% من نفط العالم
العميد الشرطة (حقوقي) / محمد علي عبد الله عبد الدائم

في عرض البحر بين إيران وعمان، يوجد ممر مائي عرضه 21 ميلاً فقط، اسمه مضيق هرمز. هذا الممر الضيق يحمل وزناً اقتصادياً هائلاً: لو أغلق ليوماً واحداً، سيتوقف تدفق 20 مليون برميل نفط يومياً. لو أغلق لأسبوع، ستدخل أسواق الطاقة العالمية حالة ذعر شديدة. ولو أغلق لشهر واحد، سيدخل الاقتصاد العالمي في ركود حتمي. هذه ليست مبالغة، بل واقع يحدث عملياً كل مرة يرتفع التوتر بين الجانبين الإيراني والأمريكي.
—
1. لماذا يعتبر هرمز “نقطة ضغط” لا يمكن تجاهلها؟
لغة الأرقام تتحدث بوضوح: تمر عبر المضيق ما بين 20 و21 مليون برميل يومياً، وهذا يمثل 20% من الاستهلاك العالمي و30% من تجارة النفط المنقولة بحراً. إضافة إلى ذلك، يمر 80% من نفط الخليج المتجه لآسيا عبره، موزعاً على دول الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية.
الدول الأخرى كقطر والكويت والإمارات والسعودية تصدر 90% من غازها الطبيعي المسال عبره. أي أزمة في المضيق تتسبب بأزمة غاز فورية في أوروبا وآسيا على حد سواء.
الجغرافيا لصالح إيران:
المضيق يمر بمحاذاة المياه الإقليمية الإيرانية، وهذه حقيقة جغرافية تعطي إيران ميزة استراتيجية كبيرة. لا تحتاج إيران إلى أسطول ضخم لإغلاقه؛ يكفيها زوارق سريعة وألغام بحرية وصواريخ مضادة للسفن متمركزة على الساحل.
تكلفة إغلاقه بالنسبة لإيران صفرية نسبياً، مقارنة مع التكلفة الهائلة لإعادة فتحه على أمريكا، التي تحتاج أساطيل ضخمة وكاسحات ألغام، أي مليارات الدولارات وحرب محتملة.
—
2. تاريخ الاستخدام كسلاح اقتصادي
إيران لم تغلق المضيق فعلياً قط، لكنها استخدمته ثلاث مرات كـ”تهديد قابل للتصديق”:
حرب الناقلات (1984-1988): خلال الحرب مع العراق، هاجمت إيران ناقلات النفط الكويتية والسعودية، مما دفع أمريكا للرد بعملية “أرنست ويل”، فأسقطت طائرة إيرانية. النتيجة: ارتفع سعر النفط 40% خلال ثلاثة أشهر فقط.
العقوبات النووية (2012-2019): كلما فرضت أمريكا عقوبات، لوحت طهران بإغلاق مضيق هرمز، مما جعل الأسواق تتفاعل فوراً. في مايو 2019، بعد هجمات على ناقلات إماراتية، ارتفع خام برينت 12 دولاراً للبرميل في يومين فقط.
حرب غزة وإيران (2024-2026): مع اشتعال جبهة إيران وإسرائيل، عاد التهديد مرة أخرى. لكن الفرق الآن أن أمريكا مشغولة بجبهتين: إيران والشرق الأوسط، إضافة إلى أزمة الصين وتايوان. هذا أعطى إيران مساحة مناورة أكبر في المضيق.
—
3. السؤال الحتمي: ماذا يحدث لو أغلق المضيق فعلياً؟
بناءً على تقارير وزارة الطاقة الأمريكية ووكالة الطاقة الدولية، هناك ثلاث سيناريوهات محتملة:
السيناريو الأول – إغلاق أسبوع واحد:
سعر برينت يقفز من 80 دولاراً إلى 140-160 دولاراً، مما يرفع التضخم العالمي 2-3 نقاط مئوية. خطوط الشحن تتحول لمسار رأس الرجاء الصالح، فتزيد تكلفة الشحن بمعدل 40%.
السيناريو الثاني – إغلاق شهر واحد:
يحدث ركود اقتصادي عالمي مؤكد. كل من ألمانيا واليابان تدخلان في انكماش فوراً، لأن احتياطياتهما الاستراتيجية من النفط تكفي فقط 60-90 يوماً. الصين، كإحدى أكبر الدول المستوردة، ستجد نفسها مضطرة للتفاوض سياسياً حتى وإن خسرت اقتصادياً.
السيناريو الثالث – إغلاق جزئي مستمر:
يعتبر هذا السيناريو الأخطر على الإطلاق. لا إغلاق كامل، بل هجمات متقطعة على الناقلات، فترتفع أسعار التأمين البحري 300%. النتيجة النهائية: النفط يصبح “غير قابل للتأمين”، والخليج مع استمرار التدفق بكلفة خيالية.
—
4. لماذا لم تغلق إيران المضيق حتى الآن؟
هنا تكمن المفارقة الحقيقية: إيران نفسها ستخسر أكثر من أي طرف آخر. 95% من صادراتها النفطية تمر عبر هرمز، وإغلاقه يعني خنق اقتصادها. حلفاؤها كالصين والهند وروسيا سيتضررون فوراً، مما يعرضها لفقدان دعمهم الحيوي. أما جارتاها عمان والإمارات، فستعتبران الإغلاق بمثابة إعلان حرب مباشرة.
لذلك، تستخدم إيران المضيق كـ”سلاح ردع نفسي” وليس عسكري بحت. الرسالة بسيطة وواضحة: “لا تضغطوا علينا أكثر من اللازم”.
—
5. ماذا تغير بعد زيارة ترامب للصين في مايو 2026؟
الزيارة لم تغير جغرافيا المضيق، لكنها غيرت معادلة الردع بشكل جذري:
بالنسبة لأمريكا: ترامب نفسه صرح بأنه لا يريد “حربين في وقت واحد”. أسطوله الآن منقسم بين آسيا والخليج، مما يقيد قدراته.
بالنسبة للصين: أصبحت أكثر حذراً. فهي تحتاج نفط الخليج لمصانعها، ولو أغلق مضيق هرمز، سيتوقف اقتصادها. هذا يضغط مباشرة على إيران بعدم التصعيد.
بعد 2022: تعلم العالم الدرس. بدأت الدول تبني احتياطيات استراتيجية من الغاز والنفط، وتنويع مصادر الطاقة. هذا يقلل من فعالية التهديد على المدى الطويل.
—
النقاط الأساسية
مضيق هرمز ليس ملكاً لأحد، بل هو ممر دولي. لكن من يسيطر على الساحل الشمالي له القدرة على إرهاب الاقتصاد العالمي دون إطلاق رصاصة واحدة. المشكلة أن كل الأطراف تعرف هذا جيداً.
لذلك يبقى التهديد بالإغلاق أقوى من الإغلاق نفسه. الخوف من الكارثة أقوى تأثيراً من الكارثة الفعلية.
والأسئلة التي تبقى معلقة: هل ستغلق إيران المضيق؟ وكم مرة ستستخدم هذا التهديد قبل أن يفقد قيمته؟
متي تصحو أحزابنا من فكرة الصراع حول السلطة والغنيمة علي فكرة النهضة والتنمية !-قراءة في أزمة العقل السوداني الجمعي
في السودان ، كما في بعض من دول العالم الثالث توجد مئات الأحزاب السياسية التي تصطرع علي الس…





