متي تصحو أحزابنا من فكرة الصراع حول السلطة والغنيمة علي فكرة النهضة والتنمية !-قراءة في أزمة العقل السوداني الجمعي
بقلم السفير/ رشاد فراج الطيب

في السودان ، كما في بعض من دول العالم الثالث توجد مئات الأحزاب السياسية التي تصطرع علي السلطة والحكم باستخدام الشعارات السياسية دون الاقتصادية أو التنموية .
كما أن العمل السياسي لعقود طويلة ظل يدور في حلقة مفرغة من الصراع علي السلطة أكثر من انشغاله ببناء الدولة .
ولهذا أصبحت السياسة عندنا أقرب إلى معارك استنزاف دائم ، تُستهلك فيها الطاقات والأعمار والموارد ، بينما تتراجع الأسئلة الحقيقية المتعلقة بالاقتصاد والتنمية والإنتاج ومحاربة الفقر وتحسين حياة الناس .
لدينا مئات الأحزاب والتنظيمات والتيارات والمنابر ، لكنك إذا سألت كثيراً منها عن رؤيتها التفصيلية للنهوض الاقتصادي ، أو خطتها لزيادة الإنتاج ، أو تصورها لمعالجة الفقر والبطالة وانهيار العملة والتعليم والصحة ، فلن تجد إلا عبارات عامة وشعارات فضفاضة .
ذلك لأن المدخل الغالب في التفكير السياسي السوداني ظل مدخلاً سياسيا صراعيا و سلطوياً لا تنموياً او اقتصاديا .
أي أن الاهتمام الأكبر ينصرف إلى كيفية الوصول إلى الحكم أو إسقاط الخصوم ، لا إلى ماذا سنفعل بالدولة بعد الوصول إليها في اليوم التالي كما حدث بعد ما سمي بثورة ديسمبر الأخيرة !
والأحزاب في سعيها لكسب السلطة غالبا ترفع شعارات سياسية لاتنموية ، كما أنها تستدعي عناوين من إنجازات تاريخية ماضوية تعود الي الآباء المؤسسين وامجادا من الأنساب والانتماءات العرقية والجهوية تتوسل بها لاستقطاب الناخبين .
وحتي الأحزاب التاريخية العريقة التي كان لها اسهام في تحقيق الاستقلال السياسي ، لم تستطع عندما جاءت الي الحكم عبر الانتخابات ، أن تقدم إنجازات ملموسة في التنمية من أجل تعزيز الاستقلال الاقتصادي والسياسي .
والحزب الشيوعي السوداني العتيد نموذج ساطع للتخلي عن نظريات الاقتصاد الاشتراكي والارتقاء بالطبقة العاملة ونصرة المسحوقين وانتقل الي فضاء آخر تماهي فيه مع اقتصاد السوق الحر وشعارات النيوليبرالية وأصبح كومبورادورا كبيرا يروج لبضاعة الغرب الكاسدة وتتكسب كوادره من خدمة المنظمات الغربية التي تسوق أفكار المعسكر الرأسمالي ، فضلا عن انشغاله بتصفية الحسابات السياسية وبخاصة مع التيار الإسلامي ليصبح برنامجه الشاغل !
والاسلاميون الذين حكموا البلاد مايقارب الثلاثين عاما ، ورغم أنهم قدموا الكثير من الانجازات الاقتصادية والتنموية إلا أنها كانت بتكلفة عالية في ظل الاستهداف والحصار والعقوبات .
كما أن تجربتهم يؤخذ عليها افتقارها للشفافية والحوكمة والتنافس الحر وعدالة الفرص .
وقد كان الاقتصاد والضائقة الاقتصادية والمالية أحد أسباب إسقاطهم عن الحكم .
والأدهى من ذلك أن كثيراً من الأحزاب التي تتقاتل سياسياً لا تختلف في الحقيقة اختلافاً جوهرياً في رؤيتها الاقتصادية ، لأنها وفي الأغلب لا تمتلك أصلاً رؤية أو خطة اقتصادية متماسكة .
فالخصومات غالباً ما تُبنى على التاريخ والولاءات والشخصيات والاصطفافات العاطفية ، أكثر من بنائها على برامج تنموية واضحة أو مدارس اقتصادية متمايزة ومتنافسة !
ولهذا تحولت الساحة العامة إلى فضاء للتجريح والتنابز والتخوين والزدراء والاغتيال المعنوي ، بدلاً من أن تكون ساحة تنافس حول من يملك الخطة الأفضل لزيادة الإنتاج ؟ ومن لديه التصور الأنجح لإصلاح الخدمة المدنية ؟ ومن يملك نموذجاً أكثر كفاءة لإدارة الموارد ومحاربة الفساد وجذب الاستثمار وتحقيق العدالة الاجتماعية ؟
أو إصلاح التعليم .
والتجربة السودانية نفسها تقدم دليلاً واضحاً على أزمة التفكير السياسي التقليدي وادمان الفشل .
حتي غدا اضمحلال الثقافة الاقتصادية ونظرياتها ومفاهيمها سمة عامة بين الناس والأحزاب ، فنحن لسنا جزءا من الاقتصاد الإقليمي أو العالمي ولانعرف كثيرا عن الأسواق العالمية والبورصات ومؤشرات الأسهم وليس لدينا نشرة اقتصادية عالمية في إعلامنا الوطني !
فلا تكاد تجد أحزاب تقوم علي أفكار التنمية والبناء والإعمار ، حتي زهد كثير من الناس في جدوي الديمقراطية نفسها وليس الخطأ في الديمقراطية !
والأمر نفسه يمكن ملاحظته في تجربة كثير من الحركات المسلحة التي رفعت شعارات الظلم و المركز والهامش ، خاصة في دارفور وبعض أطراف السودان الأخري .
فقد خاضت تلك الحركات حروباً طويلة تحت عناوين الدفاع عن المظلومين والمهمشين ، لكن بعض قادتها عندما أصبحوا جزءاً من السلطة أو اقتربوا منها ، لم يقدموا إسهاماً حقيقياً في معالجة جذور الفقر والتخلف والنزوح ، ولم تتبلور لديهم رؤى تنموية جادة لإعادة بناء مناطقهم أو تحسين أوضاع أهلهم .
بل إن بعضهم لم يزر حتى معسكرات النزوح واللجوء وهي التي خرجت للحرب أصلاً باسم الدفاع عن سكانها ، ولم يطرحوا مشروعاً عملياً واحدا لتصفية تلك المعسكرات عبر التنمية وإعادة الإعمار وخلق فرص الحياة الكريمة .
وهكذا تحولت قضية التهميش في كثير من الأحيان من مشروع تنموي وإنساني إلى مجرد أداة للصراع السياسي والتكسب والتفاوض علي السلطة وكسب الوظائف والغنائم .
إن الأمم لا تنهض بالصراع السياسي وحده ، وإنما تنهض عندما يتحول الاقتصاد والتنمية إلى الفكرة المركزية في الحياة العامة وتكون غاية السياسة هي تحسين جودة الحياة.
فالحضارات الكبرى لم تُبنَ بالخطب وحدها ، بل ببناء الإنسان ، وتطوير الإنتاج ، وترقية التعليم ، والنهوض بالاقتصاد ، وخلق فرص العمل .
حين نهضت اليابان بعد الحرب العالمية الثانية ، لم يكن سؤالها الأساسي من ينتصر سياسياً ؟
بل كيف نعيد بناء الصناعة والتعليم ونبني الدولة الحديثة ؟
وكذلك فعلت كوريا الجنوبية وسنغافورة وماليزيا والصين وتركيا في مراحل صعودها المختلفة .
وحتى التجارب الأوروبية الكبرى بعد الحروب المدمرة ، خصوصاً في ألمانيا وفرنسا التي تبنت الشعار الشهير – دعه يعمل دعه يمر – والذي يعني فتح الطريق أمام للإنتاج وازالة كل العوائق .
أدركت الدول والشعوب مبكرا أن الاستقرار السياسي الحقيقي يبدأ من التنمية الاقتصادية وإعادة البناء والإعمار .
ولم تكن تلك الدول خالية من الخلافات السياسية أو الأيديولوجية ، لكنها نجحت في تحويل التنافس من مجرد صراع على السلطة إلى تنافس حول معدلات النمو ، وتحسين البنية التحتية ، وتقليل البطالة ، وزيادة الصادرات ، وتحسين الخدمات العامة ومؤشرات التنمية .
أما احزابنا ، فما زالت في كثير من الأحيان تمارس السياسة وكأنها غاية في ذاتها لا وسيلة لبناء المجتمع .
ولهذا أصبح المواطن السوداني يسمع آلاف الخطب عن الثورة والديمقراطية والهوية والمؤامرات ، لكنه لا يسمع إلا قليلاً عن الإنتاجية ، والصادرات ، والتكنولوجيا ، وسلاسل القيمة ، والأمن الغذائي ، والإصلاح الضريبي ، والاقتصاد الرقمي ، ونقل التقانة واقتصاد المعرفة .
إن السودان لا تنقصه الموارد ، بل تنقصه الفكرة التنموية الجامعة .
فبلد بهذه المساحات الزراعية ، وهذه الموارد المعدنية ، وهذا الموقع الجغرافي ، وهذه الكتلة البشرية الشابة ، كان يمكن أن يكون واحداً من الاقتصادات الصاعدة في إفريقيا والعالم لو وُجدت رؤية استراتيجية مستقرة تتجاوز عقلية الصراع والغنيمة السياسية .
ولعل من أخطر ما أصاب الحياة السياسية السودانية أن الأحزاب أصبحت تتعامل مع الاقتصاد باعتباره ملفاً فنياً ثانوياً ، بينما الحقيقة أن الاقتصاد هو جوهر الاستقرار السياسي والاجتماعي .
فالفقر والبطالة والتهميش ليست مجرد أزمات معيشية ، بل هي أيضاً مولدات للعنف والانقسام والانهيار الوطني والتدخلات الخارجية .
ومن هنا ، فإن السودان يحتاج إلى ثورة في طريقة التفكير واعادة تشكيل العقل الجمعي ، لا مجرد تبديل للحكومات أو التحالفات .
يحتاج إلى الانتقال من “السياسة المحضة” إلى “السياسة التنموية” ، حيث يصبح معيار التفاضل بين الأحزاب والقوى هو جودة البرامج الاقتصادية ، وكفاءة إدارة الموارد ، والقدرة على تحقيق النمو والعدالة معاً .
بل ربما يكون الحديث حول الاقتصاد والتنمية ومحاربة الفقر مدخلاً أفضل للتوافق الوطني من كثير من السجالات الأيديولوجية الحادة .
فالناس قد يختلفون حول السياسة والهوية ، لكنهم غالباً يتفقون حول حاجتهم إلى العمل والتعليم والصحة والكهرباء والاستقرار وتحسين مستوى الحياة .
إن الدول التي تبقى أسيرة الصراع السياسي المجرد تستهلك نفسها في المعارك الداخلية ، أما الدول التي تجعل التنمية مشروعها الوطني الأكبر فإنها تُحوّل السياسة نفسها إلى أداة للبناء لا للهدم .
وفي اليوم الذي نري فيه ميلاد أحزاب تقوم علي أساس أفكار تنموية واقتصادية ونري أحزابنا تنشغل بالتنافس علي تقديم برامج للنهوض بمعاش الناس وبالتعليم والعدالة الاجتماعية والرفاه الاقتصادي سندرك تماما أنهم قد فهموا السياسة بمعناها الشامل والعميق وأن بلادنا قد دخلت في المسار الصحيح المؤدي الي الأمن والاستقرار والنماء .
مضيق هرمز: الزجاجة التي يتنفس منها العالم 21 ميلاً تحدد مصير 20% من نفط العالم
في عرض البحر بين إيران وعمان، يوجد ممر مائي عرضه 21 ميلاً فقط، اسمه مضيق هرمز. هذا الممر ا…





