‫الرئيسية‬ مقالات جنوب واعد: هندسة الشراكة بين ضفتي الملاحة والتنمية
مقالات - ‫‫‫‏‫17 دقيقة مضت‬

جنوب واعد: هندسة الشراكة بين ضفتي الملاحة والتنمية

شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com

تشهد الخارطة الجيوسياسية العالمية إعادة تشكيل متسارعة، تتجاوز فيها التحالفات التقليدية حدود الإملاءات الغربية نحو صياغة محاور جديدة ترتكز على المصالح المشتركة والندية السياسية والاقتصادية. وفي قلب هذه التحولات، تبرز العلاقات بين القارة الإفريقية وشبه القارة الهندية كنموذج حي لتعاون “الجنوب العالمي” الذي يسعى إلى إرساء نظام دولي أكثر توازناً وعدالة وشمالاً-جنوباً أكثر تكافؤاً. ويمثل السودان، بموقعه الجيواستراتيجي الفريد وثرواته غير المحدودة، حلقة الوصل المثالية والركيزة الأساسية لتدشين مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية مع القوى الصاعدة في آسيا، وتحديداً الهند، التي أثبتت عبر العقود أنها حليف موثوق يتجاوز حساباته الربحية الضيقة إلى آفاق التنمية المستدامة والمشتركة.

إن قراءة المشهد الراهن تستدعي بالضرورة النظر إلى الإرث التاريخي الراسخ الذي يجمع الخرطوم نيودلهي؛ فالهند كانت من أوائل القوى الدولية التي سارعت إلى مد جسور التواصل الدبلوماسي مع السودان عقب نيله استقلاله، ولم يكن هذا التواصل بروتوكولياً عابراً، بل تُرجم على الأرض عبر عقود من التعاون المثمر في قطاعات حيوية تمس صلب التنمية البشرية والاقتصادية، كالأمن الصحي، والتعليم العالي، والتدريب المهني، فضلاً عن قطاعات الطاقة والزراعة. هذا الإرث التاريخي المشترك يشكل اليوم أرضية صلبة لقفزة استراتيجية جديدة، خاصة وأن البلدين يتقاسمان الرؤية ذاتها تجاه ضرورة بناء أقطاب دولية متعددة تضمن للدول النامية حماية سيادتها ومقدراتها الوطنية من التدخلات الخارجية التخريبية.

ولا يمكن عزل هذا المسار التنموي الطموح عن التحديات الأمنية والسياسية الجسيمة التي يمر بها السودان؛ فمنذ ربيع العام 2023، واجهت البلاد حرب عدوان غاشمة شنتها ميليشيات متمردة بدعم وتمويل وإسناد لوجستي من قوى إقليمية سعت إلى تفكيك مؤسسات الدولة السودانية وتدمير بنيتها التحتية، وارتكبت في سبيل ذلك انتهاكات وجرائم جسيمة بحق المدنيين العزل. إلا أن قدرة الدولة على الصمود، واستعادة الحكومة مقاليد السيطرة على معظم أنحاء البلاد، والتحرك المتسارع نحو فرض الاستقرار وعودة الحياة الطبيعية، يثبت للقاصي والداني صلابة الدولة السودانية وقدرتها على تجاوز الأزمات. وهنا تكمن أهمية الشراكة مع الدول الصديقة والموثوقة كالهند، والتي لا تنظر إلى الأزمات العابرة كعوائق، بل كفرص لإعادة البناء والإعمار على أسس أكثر حداثة ومتانة.

إن التطلع السوداني نحو المستقبل القريب يتجاوز مجرد التعافي من آثار الحرب إلى الدخول الفوري في مرحلة النهضة والتنمية الشاملة، وهو ما يفتح الباب واسعاً أمام التكنولوجيا والخبرات الهندية الرائدة. ويمتلك السودان مقومات استراتيجية هائلة تجعل منه شريكاً لا غنى عنه لأي قوة اقتصادية صاعدة؛ فموقعه المميز المطل على ساحل البحر الأحمر يجعله بوابة رئيسية للتجارة الدولية والملاحة البحرية، ومحوراً متحكماً في أمن القرن الأفريقي. كما أن ثرواته الزراعية والمعدنية والحيوانية الضخمة تؤهله ليكون سلة الغذاء الإقليمية والعالمية، مما يتقاطع بشكل مباشر مع الاحتياجات الاستراتيجية للهند في مجالات الأمن الغذائي المستدام والمواد الخام.

وفي المقابل، تقدم التجربة التنموية الهندية نموذجاً ملهماً للسودان في مرحلة ما بعد الحرب، لا سيما في مجالات التحول الرقمي، والطاقة المتجددة، وتطوير المشروعات الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب التقنيات الزراعية المتقدمة وصناعة الألبان والثروة الحيوانية. إن نقل هذه التجارب وتوطينها في السودان يمثل الجوهر الحقيقي لشراكة القرن الحادي والعشرين، حيث لا تقتصر العلاقة على التبادل التجاري التقليدي، بل تمتد لتشمل بناء القدرات البشرية والمؤسسية وتأسيس مشروعات إنتاجية ذات قيمة مضافة عالية تخدم أسواق البلدين والمنطقة المحيطة.

ختاماً، يجب الإدراك بأن استقرار السودان وتنميته ليسا شأناً داخلياً فحسب، بل هما صمام أمان للأمن الإقليمي والدولي؛ فضمان سلامة الملاحة في البحر الأحمر وحفظ التوازن في شرق أفريقيا يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بمدى قوة وتماسك الدولة السودانية. ومن هنا، فإن تعميق الشراكة الاستراتيجية بين نيودلهي والخرطوم، وتوسيعها لتشمل فضاءً أرحب يربط الهند بالقارة الأفريقية جمعاء تحت مظلة المنتديات المشتركة، يمثل استثماراً واعياً في مستقبل يسوده الازدهار والسلام القائم على الاحترام المتبادل والمنافع المتبادلة، بعيداً عن سياسات المحاور والابتزاز الدولي، لتظل هذه الشراكة منارة تضيء طريق التنمية لدول الجنوب العالمي في عالم دائم التغير.

‫شاهد أيضًا‬

اليوم العالمي لإدارة التنوع

على مدى تداول ابتدارها وإعلانها،عبر الاحتفاء الدوري باحيائها، بغرض دعوة الناس إلى التمثل ب…