‫الرئيسية‬ مقالات متلازمة ذات السلاسل ..ووهم احتكار المعرفة 
مقالات - ‫‫‫‏‫58 دقيقة مضت‬

متلازمة ذات السلاسل ..ووهم احتكار المعرفة 

أصل_القضية|من سلسلة الجسر والمورد  محمد أحمد أبوبكر - باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية 

ما بعد تحرير الجيش للخرطوم وسنار والجزيرة ، غزت “السلاسل” الفضاء الإسفيري السوداني.

○ سلسلة عن التاريخ.

○ وسلسلة عن الاقتصاد.

○ وسلسلة عن السياسة.

○ وسلسلة ترد على سلسلة.

○ وسلسلة تفند سلسلة.

○ وسلسلة تنتقد أصحاب السلاسل أنفسهم.

حتى بدا وكأن البلاد قد دخلت فعلاً في معركة جديدة يمكن أن نطلق عليها مجازاً: “معركة ذات السلاسل”.

ولعل أخطر ما في متلازمة ذات السلاسل أنها تخلق وهماً جماعياً بأن تراكم الخطاب يساوي تراكم الإنجاز، وأن تداول الأفكار يعادل بالضرورة تحويلها إلى واقع ، فيتحول إنتاج المحتوى عند بعض الناس من وسيلة لفهم الواقع وتغييره إلى غاية قائمة بذاتها، ويصبح تداول الفكرة بديلاً عن اختبارها، والحديث عن الحل بديلاً عن صناعة الحل نفسه.

لكن بعيداً عن الضجيج، ثمة سؤال أكثر عمقاً يفرض نفسه على المشهد:

 

> هل نحن أمام طفرة معرفية حقيقية، أم أمام إعادة تدوير للمعلومات بأدوات جديدة؟

 

قبل أيام طلبت معلومة محددة من أحد المهتمين بمجال معين. جاءني الرد سريعاً:

 

“الموضوع كبير ويحتاج إلى بحث وتمحيص ومراجعة للمراجع.”

بدا الأمر منطقياً للوهلة الأولى ، لكن بعد ساعات وصلتني المادة المطلوبة.

وحين قرأتها أدركت فوراً أنها خرجت كما هي تقريباً من الذكاء الاصطناعي، دون إضافة أو مراجعة أو اجتهاد يذكر.

المفارقة أنني كنت قد حصلت على المعلومة نفسها قبل ذلك بوقت طويل، وتجاوزت مرحلة البحث عنها إلى مرحلة التفكير في دلالاتها.

عندها خطر لي سؤال مهم:

 

> إذا كان الجميع يستخدم الذكاء الاصطناعي اليوم، فأين المشكلة أصلاً؟

 

الحقيقة أن كثيرين ما زالوا ينظرون إلى الذكاء الاصطناعي بالطريقة نفسها التي نظر بها بعض الناس إلى الآلة الحاسبة عند ظهورها، أو إلى الإنترنت في بداياته.

 

> ينشغلون بالأداة أكثر من انشغالهم بالأثر.

 

> ويخافون من الوسيلة أكثر من خوفهم من التخلف عن استخدامها.

لكن ثمة بُعداً آخر أكثر أهمية من النقاش حول الذكاء الاصطناعي نفسه، وهو علاقتنا نحن بالمعرفة وموقعها في حياتنا العامة. فجزء معتبر من هذا التدفق الهائل للسلاسل والمقالات والتحليلات لا يعكس بالضرورة نمواً موازياً في التأثير على الواقع. وهنا يبرز سؤال مشروع لا ينبغي أن يُفهم بوصفه انتقاصاً من أحد، بل مراجعةً ضرورية للجميع: أين أثر كل هذه الكتابات على الأرض؟

 

فإذا كانت الفضاءات الرقمية قد امتلأت بالتحليلات والرؤى والتفسيرات، فلماذا لا يزال العائد العملي أقل من حجم الجهد الفكري المبذول؟ ولماذا تتكاثر النصوص بوتيرة أسرع من تكاثر المبادرات والمشروعات والحلول؟ إن المشكلة ليست في الكتابة، فالكتابة في حد ذاتها فعل حضاري، وليست في السلاسل، فالمعرفة كلما انتشرت كان ذلك خيراً للمجتمع، وإنما في الفجوة المتنامية بين إنتاج الأفكار وإنتاج الأثر.

 

ومن منظور الجسر والمورد، فإن القيمة الحقيقية لأي معرفة لا تُقاس بعدد مرات تداولها، بل بقدرتها على التحول إلى قوة مجتمعية أو مشروع تنموي أو قرار رشيد أو وعي جمعي أكثر نضجاً. فلو أن جزءاً من هذا الجهد الفكري المتناثر التقى داخل مراكز فكر فاعلة أو منصات عمل جماعية أو مبادرات وطنية منظمة، لكان السودان اليوم أقرب إلى تحويل طاقته المعرفية إلى رافعة حقيقية للتنمية وإعادة البناء.

 

ولعل المفارقة أن الكاتب الحقيقي لا يكتب بحثاً عن التصفيق، وإنما بحثاً عن الصدى؛ صدى الفكرة وهي تُناقش، وتُنتقد، وتُختبر، ثم تُترجم إلى فعل. فالمعرفة التي لا تغادر الورق تظل احتمالاً، أما المعرفة التي تغير سلوكاً أو تصنع قراراً أو تلهم مشروعاً فهي وحدها التي تتحول إلى قيمة. ولذلك فإن أكثر الناس علماً ليس بالضرورة أكثرهم يقيناً، بل أكثرهم إدراكاً لاتساع ما يجهله، وأكثرهم استعداداً لمراجعة أفكاره على ضوء الواقع. فالعالم الحق لا يزداد بعلمه غروراً بما يعرف، وإنما يزداد تواضعاً أمام ما لم يعرفه بعد.

 

ففي الواقع، لم يعد الذكاء الاصطناعي ميزة تنافسية بحد ذاته ، الميزة الحقيقية أصبحت في كيفية استخدامه ، فالمعلومة التي كانت تستغرق أياماً للوصول إليها أصبحت متاحة في دقائق.

والسؤال الذي كان يحتاج إلى مكتبة كاملة يمكن أن يجد صاحبه اليوم إجابة أولية عنه بضغطة زر.

وهنا تحديداً انتهى عصر احتكار المعرفة ، لقد سقطت الحواجز التي كانت تفصل بين من يملك المعلومة ومن لا يملكها ، وأصبح الفارق الحقيقي بين الناس لا يُقاس بحجم ما يعرفون، بل بقدرتهم على توظيف ما يعرفون.

 

لم يعد السؤال:

 

ماذا تعرف؟

 

بل:

 

ماذا تستطيع أن تفعل بما تعرف؟

 

من منظور “الجسر والمورد”، نحن أمام تحول استراتيجي يتجاوز التكنولوجيا نفسها. فالذكاء الاصطناعي لا يعيد توزيع المعلومات فقط، بل يعيد توزيع القوة.

 

● القوة التي كانت تستند إلى امتلاك المعرفة تتحول تدريجياً إلى قوة تستند إلى إدارة المعرفة.

 

● والقوة التي كانت تستند إلى الوصول للمعلومة تتحول إلى قوة تستند إلى تفسير المعلومة.

 

● والقوة التي كانت تستند إلى كثرة القراءة تتحول إلى قوة تستند إلى جودة التفكير.

لهذا فإن أخطر ما يمكن أن يواجه السودان في المرحلة المقبلة ليس نقص الذكاء الاصطناعي ، بل وفرته مع فقر التفكير النقدي.

 

أن تصبح لدينا آلاف المقالات وعشرات الدراسات ومئات المبادرات التي تنتجها الآلات، بينما تظل القدرة على التنفيذ والتطبيق وصناعة الأثر محدودة. حينها سنكون :

● أمام تضخم معرفي يقابله فقر تنموي.

● وأمام وفرة في الخطاب يقابلها عجز في الإنجاز.

 

أما إذا أحسن السودان استثمار هذه اللحظة التاريخية، فإن الذكاء الاصطناعي قد يتحول إلى أكبر عملية ديمقراطية معرفية شهدها السودان منذ الاستقلال.

 

● سيصبح الطالب في قرية نائية قادراً على الوصول إلى المعرفة نفسها التي تصل إليها أكبر الجامعات.

 

● وسيصبح الباحث الشاب قادراً على إنجاز ما كان يحتاج سابقاً إلى فرق كاملة من المساعدين.

 

● وسيصبح صاحب الفكرة الجيدة قادراً على منافسة المؤسسات الكبرى في إنتاج المعرفة والتحليل.

 

لكن ذلك كله لن يصنع الفرق وحده. لأن القيمة الحقيقية لن تكون في امتلاك الإجابات ، بل في امتلاك الأسئلة ، ولأن المستقبل لن يكون لمن يحفظ المعلومات ، بل لمن يعرف كيف يحول المعلومات إلى معنى.

● وكما أن معركة الأمس كانت معركة على الموارد، فإن معركة الغد ستكون معركة على تفسير الموارد.

 

● وكما كان الصراع في الماضي على من يملك المعرفة، فإن الصراع القادم سيكون على من يستطيع تحويل المعرفة إلى مشروع.

 

#أصل_القضية،،،

الذكاء الاصطناعي لم يجعل الناس أكثر ذكاءً بالضرورة ، لكنه كشف الفارق الحقيقي بين من يبحث عن إجابة، ومن يبحث عن رؤية ، وبين من يجمع المعلومات، ومن يصنع منها مستقبلاً.

وهنا بالضبط #أصل_القضية

‫شاهد أيضًا‬

أين تتجه بوصلة رئيس الوزراء بعد عام من التجريب ؟

​شهد الحادي والثلاثين من مايو عام 2025م منعرجاً حاسماً في مسيرة الحكم بالسودان، حيث وقف ال…