‫الرئيسية‬ مقالات شرق السودان.. وحدة التاريخ والمصير في مواجهة دعاة الفتنة
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

شرق السودان.. وحدة التاريخ والمصير في مواجهة دعاة الفتنة

حديث الساعة إلهام سالم منصور

يمثل شرق السودان واحداً من أكثر أقاليم البلاد تماسكاً من الناحية الاجتماعية والثقافية، فهو ليس مجرد رقعة جغرافية تمتد من سواحل البحر الأحمر إلى سهول ووديان الداخل، بل هو حالة وطنية متكاملة تشكلت عبر قرون طويلة من التعايش والتداخل الإنساني بين مختلف المكونات الاجتماعية التي صنعت نموذجاً فريداً في التعايش السلمي واحترام الآخر.

وعندما نتحدث عن شرق السودان فإننا نتحدث عن مجتمع عرف قيمة الإنسان قبل القبيلة، وقيمة الجوار قبل المصالح الضيقة، وقيمة الوطن قبل الانتماءات الصغيرة. ولذلك ظل الشرق، رغم ما مر به من تحديات سياسية واقتصادية وأمنية، قادراً على الحفاظ على نسيجه الاجتماعي في وجه العواصف والمتغيرات.

الشرق السوداني.. تاريخ من التعايش لا الصراع

إن المتأمل في تاريخ المنطقة يجد أن مكونات الشرق المختلفة ظلت تعيش في حالة من التداخل الاجتماعي والثقافي والاقتصادي لقرون طويلة. فقد جمعت الأسواق والمراعي وطرق التجارة ومناطق السكن أبناء الشرق في حياة مشتركة صنعت بينهم علاقات راسخة تجاوزت حدود الانتماءات الضيقة.

ولم تكن القبائل في شرق السودان تعيش في جزر معزولة، بل كانت ترتبط بروابط المصاهرة والشراكة والتعاون، الأمر الذي جعل المجتمع الشرقي أكثر قدرة على امتصاص الأزمات وأقل قابلية للانقسام مقارنة بكثير من المجتمعات الأخرى التي مزقتها الصراعات الداخلية.

ومن هنا فإن أي محاولة لإثارة النعرات القبلية أو استدعاء الخلافات التاريخية لا تجد البيئة المناسبة للنجاح، لأن أبناء الشرق يدركون أن ما يجمعهم أكبر بكثير مما يمكن أن يفرقهم.

قبائل البجا.. عمق تاريخي ودور وطني

تعد قبائل البجا بمختلف مكوناتها من الركائز الأساسية التي قامت عليها هوية شرق السودان، وقد ظلت هذه القبائل عبر التاريخ تمثل عنواناً للشجاعة والكرم والمحافظة على القيم الاجتماعية الأصيلة.

كما لعبت أدواراً وطنية كبيرة في الدفاع عن الأرض وحماية المجتمع والمساهمة في بناء الدولة السودانية الحديثة، وظلت جزءاً لا يتجزأ من النسيج الوطني السوداني الكبير.

ولذلك فإن استهداف التعايش بين مكونات الشرق أو محاولة تصوير العلاقات الاجتماعية وكأنها قائمة على الصراع الدائم لا يعكس حقيقة الواقع الذي يعرفه أهل المنطقة جيداً.

البني عامر.. نموذج للتعايش والاستقرار

وعند الحديث عن البني عامر فإننا نتحدث عن مكون اجتماعي أصيل ظل جزءاً من تاريخ شرق السودان وحاضره، وعرف عنه الالتزام بالقيم الدينية والاجتماعية واحترام الأعراف والتقاليد التي تحفظ للمجتمع تماسكه واستقراره.

لقد عاش البني عامر مع بقية مكونات الشرق في حالة من الشراكة المجتمعية الممتدة، وأسهموا في النشاط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للمنطقة، وكانوا جزءاً من معادلة الاستقرار التي ميزت الشرق السوداني.

ولهذا فإن الأصوات التي تحاول خلق قطيعة بين مكونات الشرق المختلفة تتجاهل حقائق التاريخ والجغرافيا والواقع الاجتماعي الذي أثبت أن التعايش هو الخيار الطبيعي لأهل المنطقة.

لماذا تستهدف الفتن شرق السودان؟

السؤال المهم الذي يفرض نفسه اليوم هو: لماذا تتكرر محاولات إثارة الفتن في شرق السودان؟

الإجابة تكمن في أن الشرق يمثل بوابة السودان الاقتصادية والاستراتيجية، فهو يحتضن الموانئ البحرية والمنافذ التجارية والطرق الدولية التي تربط السودان بالعالم الخارجي.

ومن الطبيعي أن تسعى بعض الجهات إلى استغلال التباينات الاجتماعية أو الاقتصادية لتحقيق أهداف سياسية أو مكاسب ضيقة، مستفيدة من الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

كما أن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي أتاح الفرصة أمام بعض الجهات لبث الشائعات وخطابات الكراهية التي تستهدف ضرب الثقة بين المكونات الاجتماعية المختلفة.

لكن التجارب السابقة أثبتت أن أبناء الشرق يمتلكون من الوعي والحكمة ما يجعلهم قادرين على فرز الحقائق من الأكاذيب، وتمييز الدعوات الوطنية الصادقة من الدعوات الهدامة.

دور الإدارات الأهلية في حماية السلم المجتمعي

لقد لعبت الإدارات الأهلية في شرق السودان دوراً محورياً في احتواء الأزمات ومعالجة الخلافات ومنع تطورها إلى نزاعات واسعة.

فالحكمة التي تتمتع بها القيادات الأهلية، والخبرة المتراكمة في إدارة التنوع الاجتماعي، جعلت من هذه المؤسسات صمام أمان حقيقياً للمجتمع.

واليوم تزداد الحاجة إلى دعم هذه الأدوار وتعزيزها حتى تواصل رسالتها في المحافظة على وحدة الصف ونبذ الفرقة والكراهية.

الإعلام بين البناء والهدم

يقع على الإعلام الوطني مسؤولية كبيرة في هذه المرحلة الحساسة، فالكلمة يمكن أن تكون جسراً للمحبة كما يمكن أن تتحول إلى أداة للهدم إذا استُخدمت بصورة خاطئة.

ومن هنا فإن المطلوب من الإعلاميين والكتاب والناشطين أن يتعاملوا مع قضايا الشرق بروح المسؤولية الوطنية، وأن يبتعدوا عن الخطابات التي تؤجج المشاعر أو تزرع الشكوك بين أبناء الوطن الواحد.

كما ينبغي التصدي للمنصات التي تتعمد نشر الإشاعات والتحريض، لأن حماية السلم المجتمعي مسؤولية جماعية لا تقتصر على جهة بعينها.

رسالة إلى أهل الشرق

إن المرحلة الراهنة تتطلب المزيد من التماسك والوحدة والتعقل، فالأوطان التي تواجه التحديات الكبرى لا يمكن أن تنتصر إذا انشغلت بخلافاتها الداخلية.

وأهل الشرق كانوا دائماً مثالاً للحكمة والتسامح والقدرة على تجاوز الأزمات، ولذلك فإن الرهان الحقيقي يجب أن يكون على تعزيز المشتركات الوطنية وترسيخ ثقافة التعايش وقبول الآخر.

فلا البجا يمكن أن يستغنوا عن بقية مكونات الشرق، ولا البني عامر يمكن فصلهم عن تاريخ المنطقة، ولا أي مكون اجتماعي يستطيع أن يبني مستقبله بمعزل عن الآخرين.

الخاتمة

سيبقى شرق السودان، بإذن الله، أرضاً للتسامح والتعايش والتآخي، وسيظل أبناؤه أوفياء لتاريخهم المشترك الذي صنعته قرون من التعاون والمحبة والمصير الواحد. أما دعاة الفتنة فلن يجدوا آذاناً صاغية وسط مجتمع يدرك أن قوته في وحدته، وأن مستقبله مرهون بالحفاظ على نسيجه الاجتماعي المتماسك.

حفظ الله شرق السودان من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وحفظ أهله بمختلف مكوناتهم، وجعل وحدتهم وتماسكهم نموذجاً وطنياً يقتدي به الجميع، فالوطن أكبر من القبيلة، والسودان يسع الجميع.

الجمعة ٥يوتيو٢٠٢٦

‫شاهد أيضًا‬

نزاهة القضاء السوداني.. حصن العدالة في أوقات السلم والحرب

الحمد لله الذي أمر بالعدل والإحسان، وجعل إقامة الحق من أعظم مقاصد الشرائع، والصلاة والسلام…